للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

وعلى من أعان على العشق بالتقريب بين العاشقين بالباطل أن يتوب إلى الله، وأن يَدَعَ ما كان يقوم به، وأن يعلم أن ذلك من الإعانة على الإثم والعدوان، وأنه بذلك يذكي أوار العشق، ويسعر نيرانه؛ فهو يفسد أكثر مما يصلح، وسعيه مأزور غير مشكور؛ فعمله ليس من عمل الخير، ولا من ارتكاب أخف الضررين لدفع أعلاهما.

بل إن هذه المفسدة تجر إلى هلاك القلب، وفساد الدين، وأي مفسدة أعظم من هذه؟

وغاية ما يقدَّر من مفسدة الإمساك عن ذلك سقم الجسد أو الموت؛ تفادياً عن التعرض للمحرم (١).

وإلا فالغالب أن العاقبة تكون نجاة وسلامة.

(الأسباب المعينة على ترك العشق:

فمع عظم شأن العشق، وصعوبة الخلاص منه إلا أن ذلك ليس متعذراً ولا مستحيلاً؛ فلكل داء دواء، ولكن الدواء لا ينفع إلا إذا صادف محلاً قابلاً؛ فإذا رام المبتلى بهذا الداءِ الشفاءَ، وسعى إليه سعيه وفق لما يريد، وأعين على بلوغ المقصود.

وإلا استمر على بلائه، بل ربما زاد شقاؤه.

[*] (قال ابن الجوزي رحمه الله تعالى: إنما يوصف الدواء لمن يقبل؛ فأما المخلِّط فإن الدواء يضيع عنده (٢).

وفيما يلي ذكر لبعض الأسباب المعينة على ترك العشق على سبيل الإجمال، أما التفصيل في ذلك فستجده في الباب الثاني من هذا الكتاب ضمن الأمور المعينة على التوبة عموماً.

فمن تلك الأسباب ما يلي: (٣)

(أ) الدعاء: والتضرع إلى الله عز وجل وصدق اللجأ إليه، والإخلاص له، وسؤاله السلوَّ؛ فإن المبتلى بهذا الداء مضطر، والله يجيب المضطر إذا دعاه.

(ب) غض البصر:

[*] (قال ابن الجوزي رحمه الله تعالى: والواجب على من وقع بصره على مستحسن، فوجد لذةَ تلك النظرة في قلبه أن يصرف بصره؛ فمتى ما تَثَبَّت في تلك النظرة أو عاود وقع في اللوم شرعاً وعقلاً.

فإن قيل: فإن وقع العشق بأول نظرة فأي لوم على الناظر؟

فالجواب: أنه إذا كانت النظرة لمحة لم تكد توجب عشقاً، إنما يوجبه جمود العين على المنظور بقدر ما تثبت فيه، وذلك ممنوع منه، ولو قدَّرنا وجوده باللمحة؛ فأثَّر محبةً سَهُلَ قمعُ ما حصل (٤).

إلى أن قال: فإن قيل: فما علاج العشق إذا وقع بأول لمحة؟


(١) روضة المحبين ص ١٤٨_١٥٠.
(٢) ذم الهوى ص ٤٤٣.
(٣) الكلام في هذا أكثره مستفاد من ذم الهوى ص ٤٤٠_٤٩٧، والجواب الكافي ص ٤٩٣_٤٩٩ و ٥٠٦_٥٠٧.
(٤) ذم الهوى ص ٤٣٩.

<<  <  ج: ص:  >  >>