للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ" ففعَلَتْ عائشَةُ. وفي الحديثِ: أنه قامَ في الناسِ وحمدَ اللهَ وأثنَى عليهِ، ثمَّ قالَ: "أمَّا بَعْدُ، مَا بَالُ رِجَالٍ يَشْتَرِطُونَ شُرُوطًا لَيْسَتْ فِي كِتَابِ اللهِ؟! مَا كَانَ مِنْ شَرْطٍ لَيْسَ فِي كِتَابِ اللهِ فَهُوَ بَاطِلٌ، وَإِنْ كَانَ مِائَةَ شَرْطٍ، قَضَاءُ اللهِ أَحَقُّ، وَدِيْنُ اللهِ أَوْثَقُ، وَإِنَّمَا الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ". متفق عليه (١). فأبطلَ الشرطَ ولم يبطلِ العقدَ. فإن قيلَ: كيفَ أمرَهَا النبيُّ بأمرٍ لا يقبلُونَه منهَا وهوَ فاسدٌ؟ أجيبَ عنه: بأنهُ ليسَ أمرًا حقيقةً، بلْ بمعنَى التسويةِ، كقولِه تعالَى: (فَاصْبِرُوا أَوْ لَا تَصْبِرُوا﴾ (الطور: ١٦)، والتقديرُ: اشترِطِي لهُم أوْ لَا تشترِطي. بدليلِ قولِه عقبَه: "فَإنَّما الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ". إلَّا شرطَ العتقِ، فيصحُّ أن يشترطَه بائعٌ على مشترٍ (٢)؛ لحديثِ بريرةَ المذكورِ. ويجبرُ مشترٍ عليهِ إن أبَاهُ، فإنْ أصرَّ عتَقَهُ حاكمٌ قهرًا عليهِ (٣)؛ لأنه عِتقٌ مستَحقٌّ عليهِ؛ لكونِه قربةً التزمَها كالنذرِ.

وإنْ شرطَ رهنًا فاسدًا -كخمرٍ، ونحوِه-، أو خيارًا، أو أجلًا مجهولَين، أو تأخيرَ تسليمِ مبيعٍ بلَا انتفاعٍ به، أو أنَّ الأمةَ لا تحملُ صحَّ (٤) البيعُ وبطلَ الشرطُ (٥). ومن فاتَه غرضُه لفسادِ شرطِه، له الفسخُ -علِمَ الحكمَ بذلكَ أو جهلَه-، أو أخذُ أرشِ نقصِ الثمنِ (٦). ومنْ قالَ لغريمِه: بعنِي هذَا الشيءَ علَى أن أقضيكَ منهُ دينَكَ، صحَّ وبطلَ الشرطُ (٧)، والبائعُ مخيرٌ بينَ الفسخِ أو أخذِ أرشِ النقصِ إن ثَمَّ نقصٌ (٨).

النوعُ الثالثُ منَ الشروطِ الفاسدةِ التي لا ينعقدُ معها البيعُ: أن يشترطَ البائعُ


(١) أخرجه البخاري في كتاب البيوع، باب إذا اشترط شروطًا في البيع لا تحل (٢١٦٨) ٢/ ٧٥٩، ومسلم في كتاب العتق، باب إنما الولاء لمن أعتق (١٥٠٤) ٢/ ١١٤١.
(٢) قدَّمه في المستوعب ٢/ ٦٥، والمحرر ١/ ٣١٤، وجزم به في: الرعاية الصغرى ١/ ٣١٥.
وصححه في تصحيح الفروع الفروع (التصحيح) ٦/ ١٩٢.
(٣) انظر: الإنصاف ٤/ ٣٥٢، التوضيح ٢/ ٦٠٧، غاية المنتهى ٢/ ٢٦.
(٤) في الأصل. (فصح) بزيادة فاء. وهو سهو.
(٥) قدمه في المستوعب ٢/ ٦٥، وصححه في المحرر ١/ ٣١٤، والإنصاف ٤/ ٣٥٤.
(٦) يعني: النقص الحاصل بإلغاء الشرط. انظر: الرعاية الصغرى ١/ ٣١٥، المحرر ١/ ٣١٤، شرح منتهى الإرادات ٢/ ٣٢.
(٧) انظر: الشرح الكبير ٤/ ٥٦، غاية المنتهى ٢/ ٢٦، شرح منتهى الإرادات ٢/ ٣٢.
(٨) انظر: شرح منتهى الإرادات ٢/ ٣٢، مطالب أولي النهى ٣/ ٧٦.

<<  <  ج: ص:  >  >>