عوانة، وهو الأرجح، ويدل عليه التثنية، والمراد بهما الظهر والعصر، ولا يبعد أن تقع التثنية في الممدود، ويراد بهما المغرب والعشاء؛ لكن يعكر عليه قوله:"الأخريين"؛ لأن المغرب إنما لها أخرى واحدة، والله أعلم".
هكذا رجح ابن حجر قول من قال: "صلاتي العشي"، ومال إليه ابن رجب، لكن كما ترى حسب ما ذكرنا من الاختلاف؛ فقد اختلف الثقات على أبي عوانة، واختلف الحفاظ أيضًا على عبد الملك بن عمير في تعيين هذه الصلاة التي ذكرها سعد لعمر، وما أُرى هذا الاختلاف إلا من قِبَل أبي عوانة، كما سبق بيانه، ومن قِبَل عبد الملك بن عمير نفسه؛ فإنه وإن كان ثقة؛ إلا أنه لم يكن بالحافظ، وكان الحفاظ يختلفون عليه، حتى قال فيه أحمد مرة: "عبد الملك بن عمير: مضطرب الحديث، قلَّ ما روى عنه إلا اختلف عليه"، وقال مرة أخرى: "مضطرب الحديث جدًّا مع قلة حديثه، ما أرى له خمسمائة حديث، وقد غلط في كثير منها"، وقدم عليه مرة عاصم بن أبي النجود، وقدم عليه أخرى سماك بن حرب [انظر: العلل ومعرفة الرجال برواية المروذي وغيره (١٣١ و ١٩٧)، العلل ومعرفة الرجال برواية عبد الله (٣/ ٥٤/ ٤١٣٦)، الجرح والتعديل (٥/ ٣٦٠)، هدي الساري (٤٤٣)، التهذيب (٢/ ٦٢٠)، الميزان (٢/ ٦٦٠)] [وانظر مثالين على اختلاف الحفاظ على عبد الملك بن عمير: ما تحت الحديث رقم (٤٢٦)، وما تحت الحديث رقم (٦٥٣)].
لكن هذا الاختلاف في هذه اللفظة لا يضر في ثبوت الحديث، فإنما أراد سعد أن يضرب مثالًا لعمر على صلاة رباعية اقتدى فيها برسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فسواء قلنا بأنها الظهر والعصر، صح المثال، وإن قلنا هي العشاء فقد صح أيضًا، لكن الأول أقرب، وذلك لأن قوله: أمدُّ، أو أركد في الأوليين: أقرب لوصف الصلاة السرية منه للجهرية، لا سيما إذا قيس بالحذف في الأخريين، ولهذا أخرج البخاري رواية من قال: "صلاتي العشي"، في باب القراءة في الظهر، والله أعلم.
والشيخان قد أخرجا هذا الحديث من رواية عبد الملك بن عمير عن جابر بن سمرة، وعن أبي عون محمد بن عبيد الله عن جابر، ولم يأت في رواية أبي عون تعيين هذه الصلاة التي اضطرب في تعيينها عبد الملك، كما أن مسلمًا أعرض عن رواية من عيَّنها، وأخرجه من حديث أبي عون، ومن حديث هشيم وجرير ومسعر عن عبد الملك، ويبقى أن يقال: إن رواية عبد الملك المطولة: هي محفوظة؛ لكون الحفاظ لم يختلفوا عليه فيها اختلافًا يوجب الحكم عليها بالاضطراب، والله أعلم.
• وانظر في الأوهام: ضعفاء العقيلي (٣/ ٤٣٤).
• قال النووي في شرح مسلم (٤/ ١٧٦): "قوله: "لا أخرم عنها"، هو بفتح الهمزة وكسر الراء؛ أي: لا أنقص.
قوله:"إني لأرْكُدُ بهم في الأوليين" يعني: أطوِّلهما وأُديمهما وأَمُدُّهما، كما قاله في الرواية الأخرى، من قولهم: رَكَدَتِ السُّفنُ والريحُ والماءُ؛ إذا سكن ومكث.