الواحدة أن جميع ما كان ويكون، معلومٌ للبارى تعالى والعقل والنفوس. (٢٢٨)
الثانية أن النفوس الناطقة شأنها الاتصال بتلك المبادئ، وانما يعوق ذلك استغراق النفس في تدبير البدن، فإذا حصل لها أدنى فراغ كما يكون في النوْمِ حصل اتصال انطاعها بتلك المبادئ فينقطح فيها من الصور الحاصلة هنالك ما هو أليقُ بتلك النفس من أحْوالها وأحوال ما يَقْرُبُ منها من الأهْلِ والوَلد والْبَلَد.
ثمّ إن المتخيلة تُحَاكِي تلك المعاني الكلية بصور جزئية فتنطبع تلك الصورٍ في الحس المشترك، فيصيرُ مشاهَدَة. ثم إن كانت تلك الصوَرُ الجُزئية مناسبةً للكلية حتى لم يقع الفرق إلّا بما بين الجزئي والكلي لم تحْتَجْ إلى تغيْير، وإلَّا
(٢٢٨) قلت: هذه المبارة هكذا على ظاهرها وعمومها لا تكاد تكون مسلَّمة ومقبولة بالنسبة للعقل والنفس، عند التوقف عندها والتأمل، ولذلك أعطاها المؤلف رحمه الله شرحا وتفسيرا في المقدّمة الثانية بعدها، بما يجعلها مستساغة ومقبولة، ويفيد بأن المؤلف عارف بما يقول ومدرِك له تمام الإِدراك. ومع ذلك يبقى في النفس والعقل منها شيء، لأن عِلم ما كان وما يكون، محصور في علم الله سبحانه، وإنما هو لله وحده. فكان مقتضَى ذلك أن يقال في المبارة: إن جميع ما كان وما يكون معلوم الباري تعالى وحْدَه، وأنه سبحانه جحل في النفوس والعقل شفافية وروحانية تجعلها مؤهلة ومستعدة لأن تطلّع وتتعرف على ما أراد الله لها تعلَّمَهُ وإدراكه والاطلاع عليه من علم ومعرفة، وغير ذلك من اسرار كونية في الحياة، ومع ذلك فإنه سبحانه وتعالى جعل للعقل والنفس ولجميع القوى العقلية والنفسية علماً وإدراكا: محدوداً لا تتجاوزه في إطار استعدادها بوصفها مخلوقات ضعيفة ضمن مكونات الانسان وخصائص جسمه وفكره الضعيف وروحانيته النفسية، مصداقا لقول الله تعالى: {وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا} وقوله سبحانه: "وما أوتيم من العلم إلا قليلا". وقوله سبحانه في شأن الخضِر مع موسى عليه السلام: {وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا}. فلْيُحَقّق ذلك، ولْيُصَحَّحْ، والله أعلم بالصواب.