وللطحاويّ من وجه آخر، عن زيد بن وهب، ووافقه الحارث بن مالك، ويزيد بن أبي زياد، ووكيع، وفي آخره:"فقيل له: إن الناس قد اشتووها، وأكلوها، فلم يأكل، ولم ينه عنه"، والأحاديث الماضية وإن دلت على الحلّ تصريحًا وتلويحًا نصًّا وتقريرًا، فالجمع بينها وبين هذا أن يُحْمَل النهي فيه على أول الحال عند تجويز أن يكون مما مُسخ، وحينئذ أَمَر بإكفاء القدور، ثم توقف، فلم يأمر به، ولم ينه عنه، ويُحْمَل الإذن فيه على ثاني الحال لَمّا عَلِم أن الممسوخ لا نسل له، ثم بعد ذلك كان يستقذره، فلا يأكله، ولا يحرمه، وأُكل على مائدته، فدل على الإباحة، وتكون الكراهة للتنزيه في حقّ من يتقذّره، وتُحْمَل أحاديث الإباحة على من لا يتقذّره، ولا يلزم من ذلك أنه يُكره مطلقًا.
وقد أفهم كلام ابن العربيّ أنه لا يحل في حقّ من يتقذّره؛ لِمَا يُتَوَقَّع في أكله من الضرر، وهذا لا يختصّ بهذا.
٢ - (ومنها): أنه استَدَلّ بعضُ من مَنَع أكل الضبّ بحديث أبي سعيد الخدريّ - رضي الله عنه - الآتي عند مسلم، أن النبيّ - صلى الله عليه وسلم - قال:"ذُكر لي أن أمة من بني إسرائيل مُسخت"، قال الطبريّ: ليس في الحديث الجزم بأن الضبّ مما مُسِخ، وإنما خَشِي أن يكون منهم، فتوقف عنه، وإنما قال ذلك قبل أن يُعْلِم اللهُ تعالى نبيّه - صلى الله عليه وسلم - أن الممسوخ لا يُنسِل، وبهذا أجاب الطحاويّ، ثم أخرج من طريق المعرور بن سويد، عن عبد الله بن مسعود، قال: سئل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن القردة والخنازير، أهي مما مُسخ؟ قال: إن الله لم يُهلك قومًا، أو يَمْسَخْ قومًا، فيجعلَ لهم نسلًا، ولا عاقبةً".
قال الحافظ: وأصل هذا الحديث في مسلم، وكأنه لم يستحضره من "صحيح مسلم"، ويُتعجَّب من ابن العربيّ، حيث قال: قوله: إن الممسوخ لا يُنسِل دعوى، فإنه أمر لا يُعرف بالعقل، وإنما طريقه النقل، وليس فيه أمر يُعَوَّل عليه، كذا قال، ثم قال الطحاويّ بعد أن أخرجه من طرُق، ثم أخرج حديث ابن عمر: فثبت بهذه الآثار أنه لا بأس بأكل الضبّ، وبه أقول، قال: وقد احتج محمد بن الحسن لأصحابه بحديث عائشة، فساقه الطحاويّ من طريق حماد بن سلمة، عن حماد بن أبي سليمان، عن إبراهيم، عن الأسود،