عِنْدِي مَا قُلْتُ لَكَ: إِنْ تُنْعِمْ تُنْعِمْ عَلَى شَاكِرٍ، وَإِنْ تَقْتُلْ تَقْتُلْ ذَا دَمٍ، وَإِنْ كُنْتَ تُرِيدُ الْمَالَ، فَسَلْ تُعْطَ مِنْهُ مَا شِئْتَ) ووقع في رواية البخاريّ بلفظ:"فتُرك حتى كان الغدُ، ثم قال له: ما عندك يا ثمامة؟ فقال: ما قلت لك: إن تُنعم تُنعم على شاكر، فتركه حتى كان بعد الغد، فقال: ما عندك يا ثمامة؟ فقال: عندي ما قلتُ لك … " الحديث، فقال - رَحِمَهُ اللهُ - في "الفتح":
قوله:"قال: عندي ما قلت لك"؛ أي: إن تنعم تنعم على شاكر، هكذا اقتصر في اليوم الثاني على أحد الشقين، وحذف الأمرين في اليوم الثالث، وفيه دليل على حذفه، وذلك أنه قَدَّم أوّلَ يوم أشقّ الأمرين عليه، وأشفى الأمرين لصدر خصومه، وهو القتل، فلمّا لَمْ يقع اقتَصَر على ذكر الاستعطاف، وطلَبِ الإنعام في اليوم الثاني، فكأنه في اليوم الأول رأى أمارات الغضب، فقَدَّم ذِكر القتل، فلما لَمْ يقتله طَمِع في العفو، فاقتصر عليه، فلما لَمْ يَعْمَل شيئًا مما قال اقتصر في اليوم الثالث على الإجمال؛ تفويضًا إلى جميل خُلُقه - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وقد وافق ثمامةُ في هذه المخاطبة قول عيسى - عَلَيْهِ السَّلَام -: {إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١١٨)} [المائدة: ١١٨]؛ لأنَّ المقام يليق بذلك. انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: مما يُستغرب على الحافظ شرحه لهذا المحلّ، فكيف شرح ما وقع في "صحيح البخاريّ " فقط، ولم يراجع ما وقع في "صحيح مسلم" من أن ثمامة ذكر في اليومين: الثاني، والثالث جميعًا قوله:"ما قلت لك، إن تنعم تنعم على شاكر، وإن تقتل تقتل ذا دم، وإن كنت تريد المال، فسل تعط منه ما شئت"، فلم يقتصر في كلا اليومين، كما ادّعاه الحافظ، فتأمله بالإمعان، والله تعالى وليّ التوفيق.
(فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "أَطْلِقُوا ثُمَامَةَ")، وفي رواية ابن إسحاق:"قال: قد عفوت عنك يا ثمامة، وأعتقتك"، وزاد ابن إسحاق في روايته: أنه لما كان في الأسر جَمَعوا ما كان في أهل النبيّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - من طعام، ولبن، فلم يقع ذلك من ثمامة موقعًا، فلما أسلم جاءوه بالطعام، فلم يُصب منه إلَّا قليلًا، فتعجبوا، فقال النبيّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "إن الكافر يأكل في سبعة أمعاء، وإن المؤمن يأكل