وقال الأشرف - رَحِمَهُ اللهُ -: في تقديم ثُمامة قوله: "إن تقتل تقتل ذا دم" على قسيميه في اليوم الأول، وتوسيطه بينهما في اليوم الثاني، والثالث ما يُرشد إلى حذاقته وحَدْسه، فإنه لَمَّا رأى غضب النبيّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في اليوم الأول قدّم فيه القتل؛ تسليةً، فلمَّا رأى أنه لَمْ يقتله رجا أن يُنعم عليه، فقدّم في اليوم الثاني، والثالث قوله:"إن تُنعم … إلخ".
قال الطيبيّ - رَحِمَهُ اللهُ -: ويُمكن أن يقال: إنه لَمَّا نفى الظلم عن ساحته - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عليه، ونظر إلى استحقاقه القتل قدَّمه، وحين نظر إلى إحسانه، ولطفه - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عليه أخرّ القتل، وهذا أدعى للاستعطاف والعفو، كما قال عيسى - عَلَيْهِ السَّلَام -: {إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١١٨)} [المائدة: ١١٨]. انتهى (١).
(وَإِنْ تُنْعِمْ) بضمِّ أوله، وكسر ثالثه، من الإنعام رباعيًّا؛ أي: إن تنعم عليّ بالمن بلا فداء، (تُنْعِمْ عَلَى شَاكِرٍ)؛ يعني: أنه يشكره على معروفه هذا، (وَإِنْ كُنْتَ تُرِيدُ الْمَالَ)؛ أي: الفدية، (فَسَلْ تُعْطَ مِنْهُ مَا شِئْتَ)"ما" موصولة تنازعها الفعلان قبلها. (فَتَرَكَهُ رَسُولُ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَتى كَانَ مِنَ الْغَدِ) هكذا في النسخة التي عليها شرح القاضي عياض بـ "من"، ووقع في مختصر القرطبيّ بلفظ:"حتى كان الغد"، وهو الموافق لِمَا في "صحيح البخاريّ"، ووقع في بقيّة النسخ بلفظ:"حتى كان بعد الغد" بزيادة لفظة "بعد"، والظاهر أنه تصحيف، والله تعالى أعلم.
فقوله:"حتى كان من الغد" اسم "كان" ضمير عائد إلى ما هو مذكور حكمًا؛ أي: حتى كان ما هو عليه ثمامة من الغد، نحو قولهم: إذا كان الغد فأْتني؛ أي: إذا كان ما نحن عليه غدًا، أفاده الطيبيّ، و"من" في النسخة المذكورة للتبعيض؛ أي: إذا كان بعض الغد، ويَحتمل أن تكون بمعنى "في"، والله تعالى أعلم.