للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

رقم الحديث:

(المسألة الربعة): دلّت الأحاديث المتقدّمة المتضافرةُ على أن اليد العليا هي المنفقة المعطية، وأن السفلى هي السائلة، وهذا هو المعتمد، وهو قول الجمهور.

وقيل: اليد السفلى الآخذة، سواء كان بسؤال، أم بغير سؤال، وهذا أباه قومٌ، واستندوا إلى أن الصدقة تقع في يد الله قبل يد المتصَدَّق عليه، قال ابن العربيّ: التحقيق أن السفلى يد السائل، وأما يد الآخذ فلا؛ لأن يد الله هي المعطية، ويد الله هي الآخذة، وكلتاهما يمين. انتهى.

قال الحافظ: وفيه نظر؛ لأن البحث إنما هو في أيدي الآدميين، وأما يد الله تعالى، فباعتبار كونه مالك كلّ شيء نسبت يده إلى الإعطاء، وباعتبار قبوله للصدقة، ورضاه بها نسبت يده إلى الأخذ، ويده العليا على كلّ حال، وأما يد الآدميّ، فهي أربعة:

(أحدها): يد المعطي، وقد تضافرت الأخبار بأنها عليا.

(ثانيها): يد السائل، وقد تضافرت الأخبار أيضًا بأنها سفلى، سواء أخذت، أم لا، وهذا موافق لكيفيّة الإعطاء والأخذ غالبًا، وللمقابلة بين العلو والسفل المشتقّ منهما.

(ثالثها): يد المتعفّف عن الأخذ، ولو بعد أن تَمُدّ إليه يد المعطي مثلًا، وهذه توصف بكونها عُلْيا علوًا معنويًّا.

(رابعها): يد الآخذ بغير سؤال، وهذه قد اختُلِف فيها، فذهب جمع إلى أنها سفلى، وهذا بالنظر إلى الأمر المحسوس، وأما المعنويّ فلا يطّرد، فقد تكون عليا في بعض الصور، وعليه يُحمل كلام من أطلق كونها عليا.

قال ابن حبّان رحمه الله في "صحيحه": عندي أن اليد المتصدّقة أفضل من السائلة، لا الآخذة دون السؤال؛ إذ محالٌ أن تكون اليد التي أبيح لها استعمال فعل باستعماله، دون (١) من فُرض عليه إتيان شيء، فأتى به، أو تقرّب إلى بارئه متنفّلًا فيه، وربما كان المعطي في إتيانه ذلك أقلّ تحصيلًا في الأسباب من الذي أتى بما أييح له، وربما كان هذا الآخذ لِمَا أُبيح له أفضل،


(١) عبارة ابن حبان "أحسن" وما هنا من "الفتح"، وهو الظاهر.