تُنْكَحُ بِغَيْرِ اخْتِيَارِهَا غَيْرُ مُرَادٍ؟ فَإِنْ قَالَ عَقِيبَهُ " وَالْبِكْرُ تُسْتَأْذَنُ فِي نَفْسِهَا " بَلْ هَذَا احْتِرَازٌ مِنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ حَمْلِ كَلَامِهِ عَلَى ذَلِكَ الْمَفْهُومِ كَمَا هُوَ الْمُعْتَادُ فِي خِطَابِهِ كَقَوْلِهِ «لَا يُقْتَلُ مُسْلِمٌ بِكَافِرٍ، وَلَا ذُو عَهْدٍ فِي عَهْدِهِ» فَإِنَّهُ لَمَّا نَفَى قَتْلَ الْمُسْلِمِ بِالْكَافِرِ أَوْهَمَ ذَلِكَ إهْدَارَ دَمِ الْكَافِرِ، وَأَنَّهُ لَا حُرْمَةَ لَهُ، فَرَفَعَ هَذَا الْوَهْمَ بِقَوْلِهِ «وَلَا ذُو عَهْدٍ فِي عَهْدِهِ» وَلَمَّا كَانَ الِاقْتِصَارُ عَلَى قَوْلِهِ: " وَلَا ذُو عَهْدٍ " يُوهِمُ أَنَّهُ لَا يُقْتَلُ إذَا ثَبَتَ لَهُ الْعَهْدُ مِنْ حَيْثُ الْجُمْلَةُ رُفِعَ هَذَا الْوَهْمُ بِقَوْلِهِ " فِي عَهْدِهِ " وَجُعِلَ ذَلِكَ قَيْدًا لِعِصْمَةِ الْعَهْدِ فِيهِ، وَهَذَا كَثِيرٌ فِي كَلَامِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِمَنْ تَأَمَّلَهُ، كَقَوْلِهِ «لَا تَجْلِسُوا عَلَى الْقُبُورِ، وَلَا تُصَلُّوا إلَيْهَا» فَإِنَّ نَهْيَهُ عَنْ الْجُلُوسِ عَلَيْهَا لَمَّا كَانَ رُبَّمَا يُوهِمُ التَّعْظِيمَ الْمَحْذُورَ رَفَعَهُ بِقَوْلِهِ: " وَلَا تُصَلُّوا إلَيْهَا " وَالْمَقْصُودُ أَنَّ أَمْرَهُ بِاسْتِئْذَانِ الْبِكْرِ وَنَهْيَهُ عَنْ نِكَاحِهَا بِدُونِ إذْنِهَا وَتَخْيِيرِهَا حَيْثُ لَمْ تُسْتَأْذَنْ لَا مُعَارِضَ لَهُ؛ فَيَتَعَيَّنُ الْقَوْلُ بِهِ، وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ.
«وَسُئِلَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ صَدَاقِ النِّسَاءِ، فَقَالَ هُوَ مَا اصْطَلَحَ عَلَيْهِ أَهْلُوهُمْ» ذَكَرَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ.
وَعِنْدَهُ مَرْفُوعًا «أَنْكِحُوا الْيَتَامَى قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا الْعَلَائِقُ بَيْنَهُمْ؟ قَالَ: مَا تَرَاضَى عَلَيْهِ الْأَهْلُونَ وَلَوْ قَضِيبًا مِنْ أَرَاكٍ» .
«وَسَأَلَتْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - امْرَأَةٌ، فَقَالَتْ: إنَّ أَبِي زَوَّجَنِي مِنْ ابْنِ أَخِيهِ لِيَرْفَعَ بِي خَسِيسَتَهُ، فَجَعَلَ الْأَمْرَ إلَيْهَا، فَقَالَتْ: قَدْ أَجَزْتُ مَا صَنَعَ أَبِي، وَلَكِنْ أَرَدْتُ أَنْ يَعْلَمَ النِّسَاءُ أَنْ لَيْسَ إلَى الْآبَاءِ مِنْ الْأَمْرِ شَيْءٌ» ، ذَكَرَهُ أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ.
«وَلَمَّا هَلَكَ عُثْمَانُ بْنُ مَظْعُونٍ تَرَكَ ابْنَةً لَهُ، فَزَوَّجَهَا عَمُّهَا قُدَامَةُ مِنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، وَلَمْ يَسْتَأْذِنْهَا؛ فَكَرِهَتْ نِكَاحَهُ، وَأَحَبَّتْ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ؛ فَنَزَعَهَا مِنْ ابْنِ عُمَرَ وَزَوَّجَهَا الْمُغِيرَةَ، وَقَالَ: إنَّهَا يَتِيمَةٌ وَلَا تُنْكَحُ إلَّا بِإِذْنِهَا» ، ذَكَرَهُ أَحْمَدُ.
«وَسَأَلَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَرْثَدٌ الْغَنَوِيُّ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنْكِحُ عِنَاقًا، وَكَانَتْ بَغِيًّا بِمَكَّةَ؟ فَسَكَتَ عَنْهُ، فَنَزَلَتْ الْآيَةُ {الزَّانِي لا يَنْكِحُ إِلا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لا يَنْكِحُهَا إِلا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ} [النور: ٣] وَقَالَ لَا تَنْكِحْهَا» .
«وَسَأَلَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَجُلٌ آخَرُ عَنْ نِكَاحِ امْرَأَةٍ يُقَالُ لَهَا أُمُّ مَهْزُولٍ كَانَتْ تُسَافِحُ، فَقَرَأَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْآيَةَ» ، ذَكَرَهُ أَحْمَدُ.
«وَأَفْتَى - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِأَنَّ الزَّانِيَ الْمَجْلُودَ لَا يَنْكِحُ إلَّا مِثْلَهُ» ، فَأَخَذَ بِهَذِهِ الْفَتَاوَى الَّتِي لَا مُعَارِضَ لَهَا الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَمَنْ وَافَقَهُ، وَهِيَ مِنْ مَحَاسِنِ مَذْهَبِهِ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ؛ فَإِنَّهُ لَمْ يَجُزْ أَنْ يَكُونَ الرَّجُلُ زَوْجَ قَحْبَةٍ، وَيُعَضِّدُ مَذْهَبَهُ بِضْعَةٌ وَعِشْرُونَ دَلِيلًا قَدْ ذَكَرْنَاهَا فِي مَوْضِعٍ آخَرَ.
مشروع مجاني يهدف لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
لدعم المشروع: https://shamela.app/page/contribute