للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

ثانياً: ولأنه لو كان الرمي قبل الزوال جائزاً لفعله النبي ، لما فيه من فعل العبادة في أول وقتها من وجه، ولما فيه من التيسير على العباد من وجه آخر، لأن الرمي في الصباح قبل الزوال أيسر على الأمة من الرمي بعد الزوال؛ لأنه بعد الزوال يشتد الحر ويشق على الناس أن يأتوا من مخيمهم إلى الجمرات، ومع شدة الحر يكون الغم مع الضيق والزحام، فلا يمكن أن يختار النبي الأشد ويدع الأخف، فإنه ما خيِّر بين شيئين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثماً (١)، فنعلم من هذا أنه لو رمى قبل الزوال صار ذلك إثماً، ولذلك تجنبه النبي ، ولعل هناك فائدة وهي ابتلاء العباد هل يرمون مع المشقة أو يتقدمون خوف المشقة؟ وليس هذا ببعيد أن يبتلي الله عباده بمثل هذا، ولما فيه من تطويل الوقت من وجه ثالث، فلما كان الرسول يتعمد أن يؤخر حتى تزول الشمس مع أنه أشق على الناس، دل هذا على أنه قبل الزوال لا يجزئ.

ثالثاً: أن الرسول كان يبادر بالرمي حين تزول الشمس فيرمي قبل أن يصلي الظهر (٢)، وكأنه يترقب زوال الشمس ليرمي ثم ليصلي الظهر، ولو جاز قبل الزوال لفعله ، ولو مرة بياناً للجواز، أو فعله بعض الصحابة وأقره النبي وهذا هو القول الراجح، أعني القول بمنع الرمي قبل الزوال.


(١) أخرجه البخاري في «المناقب» / باب صفة النبي (٣٥٦٠)؛ ومسلم في «الفضائل» / باب مباعدته للآثام (٢٣٢٧) عن عائشة .
(٢) لما روى وبرة قال: سألت ابن عمر : «متى أرمي الجمار؟ قال: إذا رمى إمامك فارمه، فأعدت عليه المسألة، قال: كنا نتحين فإذا زالت الشمس رمينا»، أخرجه البخاري في الحج/ باب رمي الجمار (١٧٤٦).

<<  <  ج: ص:  >  >>