الْأَعْرَاضِ بَعْدَ قَبُولِ الْجَوَاهِرِ فَيُفْرَضُ الْكَلَامُ مَعَ الْمُلْحِدَةِ فِي الْأَكْوَانِ فَإِنَّ الْقَوْلَ فِيهَا يَسْتَنِدُ إلَى الضَّرُورَةِ فَإِنَّا بِبَدِيهَةِ الْمَعْقُولِ نَعْلَمُ أَنَّ الْجَوَاهِرَ الْقَابِلَةَ لِلِاجْتِمَاعِ وَالِافْتِرَاقِ لَا تُعْقَلُ غَيْرَ مُمَاسَّةٍ وَلَا مُتَبَايِنَةٍ وَمِمَّا يُوَضِّحُ ذَلِكَ أَنَّهَا إذَا اجْتَمَعَتْ فِيمَا لَا يُزَالُ فَلَا يَتَقَرَّرُ فِي الْعَقْلِ اجْتِمَاعُهَا إلَّا عَنْ افْتِرَاقٍ سَابِقٍ إذَا قُدِّرَ لَهَا الْوُجُودُ قَبْلَ الِاجْتِمَاعِ.
وَكَذَلِكَ إذَا طَرَأَ الِافْتِرَاقُ عَلَيْهَا اضْطَرَرْنَا إلَى الْعِلْمِ بِأَنَّ الِافْتِرَاقَ مَسْبُوقٌ بِاجْتِمَاعٍ وَغَرَضُنَا فِي رَوْمِ إثْبَاتِ حُدُوثِ الْعَالَمِ يَتَّضِحُ بِالْأَكْوَانِ وَإِنْ حَاوَلْنَا رَدًّا عَلَى الْمُعْتَزِلَةِ فِيمَا خَالَفُونَا فِيهِ تَمَسُّكًا بِنُكْتَتَيْنِ إحْدَاهُمَا الِاسْتِشْهَادُ بِالْإِجْمَاعِ عَلَى امْتِنَاعِ الْعُرُوِّ عَنْ الْأَعْرَاضِ بَعْدَ الِاتِّصَافِ بِهَا فَنَقُولُ كُلُّ عَرَضٍ بَاقٍ فَإِنَّهُ يَنْتَهِي عَنْ مَحَلِّهِ بِطَرَيَانِ ضِدِّهِ وَالضِّدُّ إنَّمَا يَطْرَأُ فِي حَالِ عَدَمِ الْمُنْتَفِي بِهِ عَلَى زَعْمِهِمْ فَإِذَا انْتَفَى الْبَيَاضُ فَهَلَّا جَازَ أَنْ لَا يَحْدُثَ بَعْدَ انْتِفَائِهِ لَوْنٌ إنْ كَانَ يَجُوزُ تَقْدِيرُ الْخُلُوِّ عَنْ الْأَلْوَانِ ابْتِدَاءً وَتَطَّرِدُ هَذِهِ الطَّرِيقَةُ فِي أَجْنَاسِ الْأَعْرَاضِ وَنَقُولُ أَيْضًا الدَّالُّ عَلَى اسْتِحَالَةِ قِيَامِ الْحَوَادِثِ بِذَاتِ الرَّبِّ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَنَّهَا لَوْ قَامَتْ بِهِ لَمْ يَخْلُ عَنْهَا وَذَلِكَ يَقْضِي بِحُدُوثِهِ فَإِذَا جَوَّزَ الْخَصْمُ عُرُوَّ الْجَوْهَرِ عَنْ حَوَادِثَ مَعَ قَبُولِهِ لَهَا صِحَّةً وَجَوَازًا فَلَا يَسْتَقِيمُ مَعَ ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى اسْتِحَالَةِ قَبُولِ الْبَارِي تَعَالَى لِلْحَوَادِثِ.
قُلْت فَهَذَا جُمْلَةُ كَلَامِهِ فِي هَذَا الْأَصْلِ وَلَمْ يَذْكُرْ فِيهِ حُجَّةً أَصْلًا عَلَى الْمَطْلُوبِ بَلْ فِيهِ إحَالَةٌ فَإِنَّهُ ذَكَرَ خَمْسَةَ أَقْوَالٍ: أَحَدُهَا: الْقَوْلُ الَّذِي عَلَيْهِ أَصْحَابُهُ أَنَّ الْجَوْهَرَ لَا يَجُوزُ أَنْ يَخْلُوَ عَنْ كُلِّ جِنْسٍ مِنْ الْأَعْرَاضِ وَعَنْ أَضْدَادِهَا بَلْ لَا بُدَّ أَنْ يَقُومَ بِهِ مِنْ كُلِّ جِنْسٍ عَرْضٌ وَاحِدٌ سَوَاءٌ كَانَ لَهُ ضِدٌّ أَوْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَإِنْ كَانَ كَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ يَقُولُ إنَّ هَذَا مُخَالِفٌ لِلْحِسِّ كَدَعْوَى الطَّعْمِ وَالرِّيحِ لِلْهَوَاءِ وَالْمَاءِ وَالنَّارِ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: فِي مُقَابَلَةِ هَذَا وَهُوَ جَوَازُ خُلُوِّهِ عَنْ كُلِّ عَرَضٍ.
وَالثَّالِثُ: الْخُلُوُّ عَنْ جَمِيعِهَا فِي الِابْتِدَاءِ دُونَ الدَّوَامِ.
وَالرَّابِعُ: أَنَّهُ يَمْتَنِعُ خُلُوُّهُ عَنْ الْأَكْوَانِ وَيَجُوزُ خُلُوُّهُ عَمَّا سِوَاهَا وَهُوَ قَوْلُ بَصْرِيِّ الْمُعْتَزِلَةِ.
وَالْخَامِسُ: امْتِنَاعُ خُلُوِّهَا عَنْ الْأَكْوَانِ دُونَ مَا سِوَاهَا وَهُوَ قَوْلُ الْبَغْدَادِيِّ الْكَعْبِيِّ وَأَتْبَاعِهِ وَهُمْ أَغْلَظُ بِدْعَةً مِنْ الْبَصْرِيِّينَ ثُمَّ إنَّهُ لَمْ يُقِمْ دَلِيلًا إلَّا عَلَى الْأَكْوَانِ فَإِنَّهُ ذَكَرَ أَنَّهُ يُعْلَمُ بِالضَّرُورَةِ أَنَّ مَا قَبْلَ الِاجْتِمَاعِ وَالِافْتِرَاقِ لَمْ يُعْقَلْ إلَّا مُجْتَمَعًا أَوْ مُتَفَرِّقًا وَذَكَرَ أَنَّ
مشروع مجاني يهدف لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
لدعم المشروع: https://shamela.app/page/contribute