"جعلَ الله بضاعَته"، "جعل" فعل ماض من الأفعال التي تنصبُ مفعولَيْن: المفعول الأول الحلف بالله والمفعول الثاني: "بضاعَتَه".
فمعنى "جعل الله بضاعتَه": أنّه لا يشتري إلاَّ بيمينه ولا يبيع إلاَّ بيمينه، كما فسّره صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بقوله:"لا يشتري إلاَّ بيمينه ولا يبيع إلاَّ بيمينِه".
ومحلّ الشّاهد هو الجملة الأخيرة "ورجلٌ جعلَ الله بضاعَتَه، لا يشتري إلاّ بيمينه ولا يبيع إلاّ بيمينِه"، فهو يُكثر من الحِلف بالله تهاوُناً، فكان جزاؤه هذه العقوبات الثلاث: لا يكلِّمّه الله، ولا يزكِّيه، وله عذابٌ أليم- والعياذُ بالله-، وهذا مثل قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلاً أُولَئِكَ لا خَلاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللهُ وَلا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٧٧) } .
الواجب على المسلم: أن يصدُق في معاملته مع النّاس في بيعِه وشرائه.
والدّنيا مهما حصّل منها فإنّها لا تُغنيه عن الآخرة، والكسب الحلال وإنْ كان يسيراً فإنّ فيه البركة وفيه الخير، والكسب الحرام وإنْ كان كثيراً فهو ممحوق لا خيرَ فيه.
فيُستفاد من الآية الكريمة ومن هذين الحديثين المسائل الآتية:
المسألة الثانية: النّهي عن كثر الحلف لأنّ من كثُر حلفه كثُر كذبُه، وكثرة الحلف تدلّ على التهاوُن باليمين، ومن تهاوَن باليمين نقص توحيدُه: قال تعالى: {وَلا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ (١٠) } وقال تعالى: {وَيَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِبِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} ، هذا من صفات أهلِ النّفاق.
المسألة الثالثة: في الحديث دليلٌ على أنّ الصدق وتعظيمَ اليمين سببٌ للبركة، وأنّ الكذب والتهاوُن باليمين سببٌ لمحق البركة.
المسألة الرابعة: في الحديث الثاني دليلٌ على إثبات الكلام لله عزّ وجلّ، وأنّ الله جل وعلا يتكلَّم بكلامٍ يليقُ بجلالِه، ليس ككلام المخلوقين أو صفة المخلوقين، هذا