للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

وقال: إن حكمه بنجاسة ماء أو طعام أو تحريم بيع أو نكاح أو إجارة فهو فتوى. وليس حكمًا ومع هذه الفوارق بين الفتوى والحكم إلا أن الجامع بينهما أن الحكم والفتوى كلاهما إخبار عن حكم الله تعالى ويجب على السامع اعتقادهما وكلاهما يلزم المكلف من حيث الجملة لكن الفتوى إخبار عن الله تعالى فيه إلزام أو إباحة والحكم معناه الإنشاء والإلزام من قبل الله تعالى (١) .

وقال ابن فرحون: لا فرق بين المفتي والحاكم إلا أن المفتي مخبر والحاكم ملزم (٢) . وقال في مغني المحتاج: الحكم الذي يستفيده القاضي بالولاية هو إظهار حكم الشرع في الواقعة فيمن يجب عليه إمضاؤه فيه بخلاف المفتي فإنه لا يجب عليه إمضاؤه (٣) . ويتفق المحكم مع المفتي في هذا فالمحكم لا يقوم بتنفيذ ما يحكم به وليس له أن يحبس بل غايته الإثبات والحكم ونقل عن الرافعي نقلًا عن الغزالي وإذا حكم بشيء من العقوبات كالقصاص وحد القذف لم يستوفه؛ لأن ذلك يحرم أبهة الولاية. وإذا ثبت الحق عنده وحكم به أو لم يحكم فله أن يشهد على نفسه في المجلس خاصة إذ لا يقبل قوله بعد الافتراق كالقاضي بعد العزل (٤) .

وقال الخطيب البغدادي إن المفتي كالحاكم لا يأخذه أجرة من أعيان من يفتيه كما أن الحاكم لا يجوز له أن يأخذ الرزق من أعيان من يحكم له وعليه وعلى الإمام أن يفرض لمن نصب نفسه لتدريس الفقه والفتوى في الأحكام ما يغنيه عن الاحتراف والتكسب ويجعل ذلك في بيت مال المسلمين فإن لم يكن هناك بيت مال أو لم يفرض الإمام للمفتي شيئًا واجتمع أهل محلة على أن يجعلوا له من أموالهم رزقًا ليتفرغ لفتاويهم وكتابات نوازلهم ساغ ذلك. وذكر أن عمر بن عبد العزيز كتب إلى والي حمص: انظر إلى القوم الذين نصبوا أنفسهم للفقه وحبسوها في المسجد عن طلب الدنيا فأعط كل رجل منهم مائة دينار يستعينون بها على ما هم عليه من بيت مال المسلمين حين يأتيك كتابي فإن الخير أعجله والسلام عليك. قال: فكان عمرو بن قيس وأسد بن وداعة فيمن أخذها.


(١) الفروق جـ ٤ / ٥٢.
(٢) التبصرة جـ ١ / ٦٥
(٣) مغني المحتاج ج ٤ / ٣٧٢
(٤) مغني المحتاج جـ ٤ / ٣٧٢

<<  <  ج: ص:  >  >>