للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

وهذه المسائل هي محل خلاف بين الفقهاء فقد قال الحنفية: إنه وإن جاز التحكيم في هذه الأمور إلا أنه لا يفتى به دفعًا لتجاسر العوام (١)

واختلفت أقوال الشافعية في هذه المسائل والراجح عدم جواز التحكيم فيها (٢) .

وأنه لا بد من تراضي المحكمين على تعيين المحكم لفض النزاع بينهما بخلاف القاضي ولا تجوز كتابة المحكمة إلى القاضي ولا العكس وإن المحكم إذا رد شهادة الشاهد بتهمة ثم اختصما إلى آخر أو إلى قاض فزكيت البينة يقضي لها؛ لأن المحكم لم يكن قاضيًا في حق غير الخصمين ولم يتصل بهذه الشهادة رد قاض.

ثانيًا – الفرق بين المحكم والمفتي:

بينا في الفرق بين التحكيم والقضاء أن كلًّا من المحكم والقاضي فيما يتعلق بالنظر في المنازعات المالية يقتربان من بعضهما حتى تكاد تتلاشى الفروق بينهما إلا ما كان متصلًا بطبيعة الولاية فإن القاضي يتلقى ولايته من السلطان أما المحكم فإنه يتلقى ولايته من المتخاصمين، ولما كانت ثمة فروق جوهرية بين طبيعة عمل القاضي والمفتي فإننا نستطيع القول بأن التحكيم وإن كان ذا طبيعة قضائية فهو يتفق مع مهمة الإفتاء في جوانب ولهذا من المناسب أن نذكر الفروق التي ذكرها القرافي بين القاضي والمفتي؛ لأن هذه الفروق تنسحب أيضًا على عمل المحكم.

فقد ذكر القرافي في الفرق الرابع والعشرين والمائتين من كتاب الفروق الفرق بين قاعدة الفتوى وقاعدة الحكم، فقال: إن العبادات كلها على الإطلاق لا يدخلها الحكم بل الفتيا فقط إلى أن قال: إن الأحكام الشرعية قسمان:

منها ما يقبل حكم الحاكم من الفتاوى فيجتمع الحكمان، ومنها ما لا يقبل إلا الفتوى. وذكر جملة مسائل قال: إنها من قبيل الفتوى وبعضها من قبيل الحكم والفتوى فمن الأول إخبار الحاكم عن نصاب اختلف فيه إنه يوجب الزكاة ومن الثاني أخذه الزكاة في مواطن الخلاف (٣)


(١) شرح فتح القدير ج ٧ / ٣١٨.
(٢) أدب القاضي للماوردي ج ١ / ٣٨١
(٣) الفروق جـ ٤ / ٥٢.

<<  <  ج: ص:  >  >>