فالحقيقة أن البحث في موضوع الرخصة – كما وضعته الأمانة العامة مشكورة – أصل الموضوع أي الرخصة الشرعية الحقيقية التي تحدث عنها الأصوليون ضروري، ولا أعتقد أنه من المعلوم في الدين بالضرورة بدليل أن الغير معلوم لدى عامة الناس، فبحثه من طرف المجمع وخاصة في تأكيد الأخذ بالرخصة، أعتقد أنه ضروري ولا بد منها، وليس خارجًا عن الموضوع، ونحن مهما بلغنا في تقدير الرخصة فالحديث الشريف الذي رواه جابر رضي الله تعالى عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو الحديث الذي يقص علينا خروج الرسول صلى الله عليه وسلم عام الفتح في شهر رمضان فصام الناس حتى بلغوا كراع الغميم (اسم لواد أمام عسفان) فصام الناس فبلغه – أي الرسول صلى الله عليه وسلم – أن الناس قد شق عليهم الصيام، فدعا بقدح من الماء بعد العصر، فشرب والناس ينظرون، فأفطر بعض الناس وصام بعض فبلغه أنا ناسًا صاموا، فقال:((أولئك العصاة)) واستعماله لكلمة العصاة إما عصيان لاتباع الرسول صلى الله عليه وسلم وهو قدوتهم في الدين، أو عصاة بمعنى أنهم رفضوا ما منحهم الله تعالى من رحمة وتوسعة، وهو من جور الإنسان بأنه لا يقبل رحمة الله لأنه لم يقبل عطية الله بالعصيان، هذا مما لا شك فيه، هذا الحديث يكاد ينسى وهو حديث صحيح رواه النسائي أي حديث جابر، وهو من أبدع ما تضمنته السنة وفيه توضيح أمور ديننا، ولذلك مثل هذه القضية أعتقد أنه لا يمكن أن نتجاوزها بدعوى أن قضية الرخصة معلومة ولا تبحث، هذا أولاً.
وثانيًا: أن الرخصة التي نتحدث عنها حين نقول تتبع الرخص وحين نقول التلفيق ليست سياسة شرعية، هي الرخصة بمعنى المجاز، يعني الرخصة بمعنى التيسير بمعنى تتبع قول عالم من العلماء أو مفت من المفتين الذي جنح إلى التيسير ويطرح قول الذي شدد حين يظن إطلاق الرخصة، وإطلاق الرخصة له عدة معان، فمن الضرورة أن نبين أن كلمة الرخصة لها عدة معان، من جملة إطلاقات الرخصة أن هناك رخصة عامة ورخصة خاصة، رخصة لأفراد ورخصة للأمة أو للجماعة، المستحدثون من العلماء قد ذكروا أن الرخصة العامة كثيرًا ما غفل عنها الأصوليون والفقهاء في حين أنها جديرة بالرعاية، لأن الأمة اليوم في عصرنا هذا واقعة أمام حاجات تحتاج فيها إلى هذا النوع من الترخيص لأنه آكد، ولأنه أكثر انسجامًا لحاجات العصر.
تتبعت هذا الموضوع ورأيت أن الفرق بين تتبع الرخص وبين التلفيق ما ذهب إليه القرافي في جعل أن تتبع الرخص يكون عادة في مسائل متعددة، ويعني أن تتبع الإنسان المذهب الأيسر في مسألة كذا ثم في مسألة أخرى يتتبع مذهبًا أيسر آخر أو هو نفس المذهب، هنا يرى العلماء أنه لا مانع منه مع التقييد بالضرورة والحاجة وعدم التلاعب أو عدم العبث وحل ربقة التكليف، عدم قصد هذا، في حين أن قضية التلفيق هي الجمع بين الأخذ بعدة مذاهب في مسألة واحدة، كالذي مثلوا له، بأن الإنسان يستطيع أن يجعل من الزنى نكاحًا شرعيًّا، فيعمل على مذهب كذا بدون ولي وعلى مذهب كذا بدون صداق وعلى مذهب كذا بدون شهود، فاختلى بامرأة وزنى بها وقال: إن هذا نكاح شرعي، إذا أدى إلى هذا، وهو ما يسمى بالتلفيق، فهذا مما لا شك محظور وبالإجماع لأنه لا يوجد من يقول بحلية هذا أبدًا من العقلاء فضلاً من المسلمين المؤمنين، نعم قد نكون في التلفيق أو في استعمال التلفيق محتاجين إلى بعض القضايا العامة، لأننا أمام مستجدات وأمام أحداث تتجدد يوميًّا في عصرنا هذا، ولا بد أن نكون مسلمين بمعنى أن يكون ديننا صالحًا ليغطي جميع الأحداث، أي صالحًا لكل زمان ومكان، والدين في حقيقته هو هذا، وإذا وقع خلل في هذا فهو خلل منا، وليس من الدين.