للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

عصمته بالقطع، (قوله: وإن باشر القتل أحدهم) أي واحد منهم والباقون وقوف لم يقتلوا معه ولم يعينوه (أجري الحد على جميعهم) فيقتلوا. ولو كانوا مائة بقتل واحد منهم واحدا (لأن القتل جزاء المحاربة التي فيها قتل بالنص مع التوزيع، والمحاربة تتحقق بأن يكون البعض ردءا للبعض حتى إذا انهزموا انحازوا إليهم، وقد تحققت المحاربة مع القتل؛ فيشمل الجزاء الكل، وهو قول مالك وأحمد خلافا للشافعي.

قلنا: إنه حكم تعلق بالمحاربة فيستوي فيه المباشرة والردة كالغنيمة. ولا فرق بين كون القتل بسيف أو عصا أو حجر في قتل الكل، وإن لم يوجب أبي حنيفة القصاص بالمثقل؛ لأن هذا ليس بطريق القصاص فلا يستدعي المماثلة، ولهذا يقتل غير المباشر وإن لم يقتل القاطع ولم يأخذ مالا، وقد جرح فما كان من جراحة يجري فيها القصاص اقتص، وما كان لا يجري فيه ذلك لزمه الأرش، ويعرف ما يقتص به وما لا يقتص في الجنايات - إن شاء الله رب العالمين -. وهذا لأنه لا حد في هذه الجناية من قطع أو قتل فظهر حق العبد فيستوفيه الولي، وإن أخذ مالا ثم جرح قطعت يده ورجله من خلاف وبطلت الجراحات؛ لأنه لما وجب الحد حقا لله سقطت عصمة النفس، أي ما حل بها من تفريق اتصال الجسم بالجارحات حقا للعبد كما تسقط عصمة المال؛ ولذا تبطل الجراحات إذا قتل فقتل حدا؛ لأن الحد والضمان لا يجتمعان، قوله: وإن أخذ بعدما تاب سقط الحد عنه بلا خلاف بالنص. قال تعالى: {إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ} (١) فإن كان قد قتل، فإن شاء الأولياء قتلوه، وإن شاءوا عفوا عنه؛ لأن هذا القتل قصاص فصح العفو عنه والصلح به، وحينئذ لا بد أن يكون قتل بحديد ونحوه؛ لأن القصاص لا يجب إلا به. ونحوه عند أبي حنيفة، وكذا إذا كان أخذ مالا ثم تاب؛ فإن صاحبه إن شاء تركه، وإن شاء ضمنه، إن كان هالكا ويأخذه إن كان قائما؛ لأنه لا يقطع بعد التوبة لسقوط الحد؛ فظهر حق العبد في ماله كما في النفس، وفي المبسوط والمحيط رد المال من تمام توبتهم لتنقطع به خصومة صاحبه، ولو تاب ولم يرد المال لم يذكره في الكتاب، واختلفوا فيه فقيل: لا يسقط الحد كسائر الحدود لا تسقط بالتوبة، وقيل: يسقط، أشار إليه محمد في الأصل؛ لأن التوبة تسقط الحد في السرقة الكبرى بخصوصها للاستثناء في النص، فلا يصح قياسها على باقي الحدود مع معارضة النص. وسائر الحدود لا تسقط بالتوبة عندنا، وبه قال مالك وأحمد في رواية والشافعي في قول، وعنهما تسقط لقوله تعالى: {وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآذُوهُمَا فَإِنْ تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا} (٢) ونحن نقطع بأن


(١) سورة المائدة الآية ٣٤
(٢) سورة النساء الآية ١٦