للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

وقد اختلف في المراد بأمره صلى الله عليه وسلم بالتقوى مع أنه خير المتقين على الإطلاق، أعرف الناس بالله وأشدهم له خشية، فقيل: المراد واظب على ما أنت عليه من التقوى واثبت عليه وازدد منه، وذلك لأن التقوى باب عظيم لا يبلغ آخره، وقيل: المراد الازدياد من التقوى فإن مراتبها لا تتناهى، فكان عليه الصلاة والسلام يزداد علمه وتقواه واستغفاره، وتتجدد له هذه المقامات، على حد قوله صلى الله عليه وسلم: «إنه ليغان على قلبي، وإني لأستغفر الله في اليوم مائة مرة (١)». وقيل: إن هذا تنبيه بالأعلى على الأدنى، فإنه تعالى إذا كان يأمر عبده ورسوله بتقواه وهو خير المتقين، فلأن يأتمر من دونه بذلك بطريق الأولى والأحرى، وأمره صلى الله عليه وسلم بتقوى الله عز وجل مانع له من طاعة الكافرين والمنافقين ومتابعتهم، وخص الكافرين والمنافقين بالذكر هنا ليشمل من هو معلن كفره مصرح به، أو من هو متستر باسم الإسلام وهو مبطن للكفر، سواء قرب أم بعد، ثم أمره باتباع ما يوحى إليه في كل ما يأتي ويذر من أمور الدين، قال تعالى: {وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا} (٢)، ثم أمره بالتوكل عليه


(١) رواه مسلم في صحيحه، كتاب الذكر والدعاء، باب استحباب الاستغفار والاستكثار منه ٨/ ٧٢ عن الأغر المزني رضي الله عنه.
(٢) سورة الأحزاب الآية ٢