للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

أما الآية الأولى فهي قوله تعالى {لا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ} (١) وساق الآية إلى قوله: {لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} (٢) ثم قال - وإنما الاستدلال بها إذا تبين دخول يمين الطلاق في عموم قوله: {ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ} (٣) ولم يكن لذلك معارض يمنع دخولها فيه، والكلام على هذه الآية يلتفت على الكلام على الآية الأخرى في سورة البقرة قال الله تعالى {وَلا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ} (٤) وساق الآية إلى قوله تعالى {حَلِيمٌ} (٥) ثم قال - وللمفسرين في معنى قوله تعالى {وَلا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا} (٦) قولان:

أحدهما: أن المراد لا تجعلوا اليمين بالله تعالى عرضة بينكم وبين أن تبروا وتتقوا وتصلحوا بين الناس فتحلفوا لا تفعلوا فتبقى اليمين متعرضة بين الحالف وبين البر والتقوى فنهاهم الله عن اليمين على ذلك ثم شرع لهم الكفارة للتخلص من هذا المنع ليكون طريقا للحالف إلى الرجوع إلى البر والتقوى والإصلاح، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم «إني لا أحلف على يمين فأرى غيرها خيرا منها إلا كفرت عن يميني وأتيت الذي هو خير (٧)»).

والقول الثاني أن المراد لا تجعلوا اسم الله عرضة لأيمانكم فتبتذلوه بالحلف به في كل شيء وقوله: {أَنْ تَبَرُّوا} (٨) معناها إرادة أن تبروا يعني إذا لم تبتذلوا اسم الله في كل يمين قدرتم على البر، ثم شرع لهم الكفارة لتكون جابرة لما يحصل من انتهاك حرمة الاسم المعظم ولا شك أن اليمين بالله تعالى مراده في الآيتين وهي اليمين الشرعية، وهي التي شرعت الكفارة فيها أصلا فالحالف يعقد اليمين بالله على أن يفعل كذا أو أن لا يفعل كذا فإذا قال " والله لا أفعل أو الله لأفعلن فقد أكد عقده بهذا الاسم المعظم. . ولهذا نهي عن الحلف بغير الله عز وجل، ونقل ابن عبد البر إجماع العلماء أن اليمين بغير الله مكروهة منهي عنها لا يجوز لأحد الحلف بها.

ومن هاهنا قال أهل الظاهر لا كفارة إلا في اليمين بأسماء الله عز وجل وصفاته ولا تجب الكفارة في يمين غير ذلك، وممن قال بهذا القول الشعبي والحكم والحارث العكلي، وابن أبي ليلى ومحمد بن الحسن نقله ابن عبد البر، وقال هو الصواب عندنا والحمد لله.

وقال جمهور العلماء بوجوب الكفارة في أيمان غيرها لكن على سبيل الإلحاق بها لوجود علة وجوب الكفارة عندهم وعلى هذا الأصل جعل ابن تيمية الطلاق المعلق على شرط يمينا تلزم فيها الكفارة إذا قصد بالتعليق الحث على الفعل أو المنع منه. . الخ.، هذه أقوال المعتبرين من العلماء. . . . هذا مع اتفاق العلماء كلهم على أمرين:


(١) سورة المائدة الآية ٨٩
(٢) سورة المائدة الآية ٨٩
(٣) سورة المائدة الآية ٨٩
(٤) سورة البقرة الآية ٢٢٤
(٥) سورة البقرة الآية ٢٢٥
(٦) سورة البقرة الآية ٢٢٤
(٧) صحيح البخاري كفارات الأيمان (٦٧١٨)، صحيح مسلم الأيمان (١٦٤٩)، سنن ابن ماجه الكفارات (٢١٠٧)، مسند أحمد بن حنبل (٤/ ٤٠١).
(٨) سورة البقرة الآية ٢٢٤