للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

بلية (١).

لهذا فإن إنكار المحتسب - المجتهد - في مسائل الخلاف أمر يحتاج معه إلى علم وذكاء وفطنة ومعرفة حال الفعل وحال الفاعل، والزمان، والمكان، ومدى انتشار الفعل وندرته، والطريقة المناسبة لإنكاره، والطريق الأنسب لتقبل الناس للإنكار. فهو بهذا أشبه بالطبيب يتلمس العلة ويتخذ من الوسائل اللازمة لمعرفتها ثم يصف الدواء اللازم لها، ولا ينبغي لأي محتسب - غير مجتهد - أن يقرر ما يشاء عند مخالفة الناس لما يراه، ولهم فيما يفعلون حجة، والحكم قد يخفى عليه، والحق تبارك وتعالى لم يرض بحكم واحد بين الزوجين، إذا خيف الشقاق بينهما؛ فإنه لا يعلم أيهما الظالم وليس بينهما بينة، بل أمر بحكمين، غير متهمين، حكم من أهل الرجل وحكم من أهل المرأة، كما قال تعالي: {وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا} (٢).

ففي هذه الآية لما اشتبه الحق لم يجعل الله الحكم لواحد وهو في قضية معينة بين زوجين، ولو حكم حاكم واحد بين زوجين في أمر ظاهر لم ينفذ حكمه باتفاق المسلمين، فكيف بأمور الدين والعبادات التي يشترك فيها جميع المسلمين، وقد اشتبهت على كثير من الناس.


(١) انظر الموافقات، ج ٤ ص ١٩٤ بتصرف.
(٢) سورة النساء الآية ٣٥