العامل الأمين، وكيف أن الكسب المباح يحسب بالدانق والسحتوت وأن ربح الاحتيال يعد بالدنانير والبدر، ولقد تدلينا في هذه الأيام إلى هذه الوهدة، وتلك مغبتها التي نعانيها.
لا أمل في الخلاص من هذه السوآت إلا إذا ساد اعتقاد الناس بتضامن الإنسانية. وأيقن كل فرد أن على حقوقه حارساً من أمته، وأنه موضع عناية الإنسانية جمعاء. وبذلك تثوب الخواطر ويرعى الناس حرمة الواجب. وإلا فلو ظن الإنسان أنه ليس ثمة ضمير عام يؤنب الناس أجمعين على ما يحل به من الغبن والأذى. وأنه لا حق له في الرحمة أينما يمم وجهه. فقد مات ضميره وغلبه الحرص فتعلق بالجشع ونبذ المبادئ والفضائل إلا ما وافق منها هواه وفشت فوضى الأخلاق فارتفعت الحدود واندثرت معالم الشرائع إلا في الدفاتر والأوراق.
يقول الدكتور لوبون: اليوم تميل الأمم القديمة إلى السقوط فهي تهتز من الوهن ونظاماتها تتداعى واحداً أثر واحد وعلة ذلك فقدانها كل يوم شيئاً من أيمانها الذي قامت عليه حتى الآن فإذا فقدته كله قامت حتماً مقامه حضارة جديدة مؤسسة على معتقد جديد.
نعم فلا بد للأمم من معتقد جديد. أفتدري ما هو هذا المعتقد؟؟ هو وحدة الإخاء أو هو التضامن الإنساني أو هو الاشتراكية.
ازرع في قلب الإنسان ثقته بعطف الإنسانية تكبره في عين نفسه وترفع من قلبه ذلة المخلوق الذي نبذته السماء ولم تعبأ به الطبيعة إلا كما تعبأ بأحقر المخلوقات.
وينبغي أن يعتقد الإنسان أنه يعمل للإنسانية لا ابتغاء المثوبة أو خوفاً من العقوبة ولكن مسوقاً بمحرض من غرائزه التي لا طاقة له بالخروج عنها. فإذا عمت هذه العقيدة رضي كل إنسان بحظه ولم يطلب الجزاء على عاطفته النوعية إلا في إرضاء تلك العاطفة ومطاوعتها فيما توحي به.
للضمير العام لعهدنا هذا حرم في كل أمة لا يحتمي فيه إلا أبناء تلك الأمة. وقد أشار الدكتور إلى ذلك في قوله أنك لا تجد بين ساسة الإنجليز واجداً لا يرى جواز استعمال أمور في جانب أمة أجنبية لو أتاها في بلاده لأنزلت به السخط من كل ناحية والحقيقة أن ذلك دأب ساسة الأمم كلها وليس الإنكليز وحدهم. ولكن ذلك الحرم تمتد حدوده يوماً بعد يوم حتى يشمل في زمن من الأزمان كل أمة جديرة بالدخول في لحمة تلك الأخوة العامة.