للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

مسار الصفحة الحالية:

وإذا صح رأي نورد في كتابه التأخر والاضمحلال فهذا الضعف الذي استولى على الجيل الحاضر أثر من أثار النظام الاقتصادي فلقد أفرط الناس في إجهاد أبدانهم إفراطاً حط من قواهم وأتلف أعصابهم. وهم كلما أحسو بالضعف انكبوا على المنبهات من خمر وحشيش وتبغ وقهوة إلى أشباه ذلك فزادتهم ضعفاً على ضعف. فلو أن ساعات العمل أنقصت قليلاً وزيدت الأجور زيادة تمكن العامل من تعويض خسارته اليومية بالطعام وأسباب الراحة، لكانت الاشتراكية قد أنقذت الجيل القادم من غوائل هذا الاضمحلال. وبهذا الرأي - أي رأي نوردو_يسهل تعليل قول الدكتور في ختام الفصل الأول من الباب الثاني إذ يقول فالأمم تموت متى ضعفت صفات خلقها التي هي نسيج روحها. وضعف هذه الصفات يكون على قدر حظ الأمة من الحضارة والذكاء إذ لا تخفى علاقة بعض أنواع الضعف العصبي بالذكاء.

قال عبد الله بن معاوية ما رأيت تبديراً قط إلا وإلا جنبه حق مضيع وغريب أن يهتدي كاتب من كتاب القرن الثاني الهجري إلى هذه الحكمة الجامعة. ولو شاء زعيم من زعماء الاشتراكية اليوم أن يتخذ لمذهبه شعاراً لما زاد على تلك الحكمة حرفاً. فالاشتراكية تقوم اليوم لتسترد ذلك الحق المضيع ولا مطمع لها في العدوان على إنسان.

يتذمر الدكتور لوبون تارة من انحطاط الخلق العام وفقدان أفراد الأمة ملكة ضبط نفوسهم وانصرافهم عن المرافق العامة إلى حب الذات ويأسف حيناً لتلك الحقائق القاسية التي جلبت على أهل العقول الصغيرة فوضى الأفكار التي يمتاز بها المرء في هذا الزمان. وغيرت تلك الشكوك أطوار الشبيبة المشتغلة بالآداب والفنون. فغرست فيها جموداً مشوباً بالكآبة وذلك أفقدها الإرادة. ونزع منها القدرة على الاهتمام بأي أمر. وجعلها تعبد المنافع الذاتية الوقتية دون سواها.

وقد تكلم ماكس نوردو في كتابه المتقدم عن هذا الخلق الذي دعاه الدكتور لوبون عبادة المنافع الذاتية. ومن رأيه أنه ناشئ عن أمراض الاضمحلال التي ألمعنا إليها وأنه شعبة من جنون الأنانية ونقول أن حب الذات ينشأ عن ضعف حاسة الواجب وهو مرض من الأمراض العقلية. ولكن يزيده إعضالاً تأكد الناس من عدم التوازن بين حقوق العاملين وواجباتهم، فيرون كيف يثري الوسيط ويعدم التاجر، وكيف يكرم القواد الوضيع ويهان