للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

يتمكن أهل البيت من إصلاح شئونهم وستر أمورهم، ففى الحديث الشريف عن النبي صلوات الله وسلامه عليه: " الاستئذان ثلاث بالأولى يستنصتون وبالثانية يستصلحون وبالثالثة يأذنون أو يردون " أخرجه الطبرانى، وقال -صلى الله عليه وسلم-: "إذا استأذن أحدكم ثلاثًا فلم يؤذن له فليرجع" رواه البخارى من طريق قتادة بنحوه، ولا تظن أن الاستئذان خاص بالأجانب دون الأقارب فإن الخطاب في الآية عام لجميع المؤمنين فيستوى فيه القريب والأجنبى ويلزم به الأب والابن والعم والخال.

جاء رجل إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقال: استأذن على أمي، فقال: "نعم" فقال الرجل: إنها لا تجد من يخدمها غيرى أفأستأذن عليها؟ فقال -صلى الله عليه وسلم-: " أتحب أن تراها عريانة؟ " قال: لا. قال: "فاستأذن" أخرجه مالك في "الموطأ" عن عطاء ابن يسار، وفى ذلك غاية الأدب والكمال.

وكذلك ألزم الله المملوك أن يستأذن على سيده والصبى الحر على مخدومه في أو قات ثلاثة هى مظنة لكشف العورات، قال الله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ مِنْ قَبْلِ صَلَاةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ وَمِنْ بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ ثَلَاثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلَا عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ … } (١).

وأباح الدخول بدونه فيما عداها للخادم مملوكًا أو صبيًّا، فإذا جاوز الطفل حد الطفولية وبلغ مبلغ الرجال لزمه الاستئذان على مخدومه في عموم الأوقات كسائر الأجانب، فقال تعالى: {وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ … } (٢) بهذه الآداب العالية أدب الله المؤمنين لتظل أعراضهم مصونة، وتبقى قلوبهم نقية من دنس الشهوات، سليمة من الضغائن والأحقاد.

وهذا هو السر في أن الشارع الحكيم أمر الرجال والنساء جميعًا بغض البصر والبعد عن مواطن الشكوك والريب، حيث كان النظر بريد الزنا ورائد الفتنة ورسول الفساد والفجور، حرم على النساء المسلمات أن يظهرن زينتهن أو يطلعن الرجال الأجانب على شيء من عوراتهن ومحاسنهن لما في ذلك من الفتنة وانتشار الفاحشة بين المسلمين ووقوعهم في مقت الله وغضبه، قال الله تعالى: {قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ


(١) [سورة النور: الآية ٥٨].
(٢) [سورة النور: الآية ٥٩].

<<  <   >  >>