للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

يدفع عنه قال الإمام الغزالى: وهذا الحديث يدل على أنه لا يجوز دخول دور الظلمة والفسقة ولا حضور المواضع التى يشاهد المنكر فيها ولا يقدر على تغييره، فإنه قال: اللعنة تنزل على من حضر، ولا يجوز له مشاهدة المنكر من غير حاجة اعتذارًا بأنه عاجز، ولهذا اختار جماعة من السلف العزلة لمشاهدتهم المنكرات في الأسواق والأعياد والمجامع وعجزهم عن التغيير.

وهذا يقتضى لزوم الهجر للخلق، فلهذا قال عمر بن عبد العزيز رحمه الله: ما ساح السواح وخلوا دورهم وأولادهم إلا بمثل ما نزل بنا، حين رأوا الشر قد ظهر والخير قد اندرس، ورأوا أنه لا يقبل ممن تكلم، ورأوا الفتن لم يأمنوا أن تعتريهم وأن ينزل العذاب بأولئك القوم فلا يسلمون منه فرأوا أن مجاورة السباع وأكل البقول خير من مجاورة هؤلاء في نعيمهم ثم قرأ {فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ} (١).

هذا في زمانهم فكيف بزماننا وقد كثرت فيه المخازى والقبائح وقال -صلى الله عليه وسلم-: "إياكم والجلوس على الطرقات" قالوا: ما لنا بد، إنما هى مجالسنا نتحدث فيها. قال: "فإذا أبيتم إلا ذلك فأعطوا الطريق حقها" قالوا: وما حق الطريق؟ قال: "غض البصر، وكف الأذى، ورد السلام، والأمر بالعروف والنهى عن المنكر" رواه البخارى، وعنه -صلى الله عليه وسلم-: "شر المجالس: الأسواق والطرق، وخير المجالس: المساجد، فإن، لم تجلس في المسجد فالزم بيتك" رواه البخارى.

فإن قصد محلًّا لا يغلب على الظن وقوع المنكر فيه ولكن يخشى وقوعه كان ذلك مكروهًا، فإن كان له حاجة في محل المنكر كدخول الحمام لحاجة أو جرى المنكر بين يديه اتفاقًا فلا إثم عليه حيث أنكره بقلبه إن لم يتمكن من دفعه، فعن أبى هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "من حفر معصية فكرهها فكأنما غاب عنها ومن غاب عنها فأحبها فكأنما حفرها" ومعناه كما قال الإمام الغزالى: أن يحضرها لحاجة أو يتفق جريان ذلك بين يديه، أما الحضور قصدًا فممنوع بدليل الحديث الأول، فانظر رعاك الله هذا مع ما عليه الناس اليوم من العكوف على مواضع المنكرات من غير حاجة خصوصًا وأن أكثرها


(١) [سورة الذاريات: الآية ٥٠].

<<  <   >  >>