للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

سبق الكلام على التغنى به وأنَّه مكروه مبتدع وقد يكون حرامًا.

وأما حديث البخارى عن أبي هريرة رضى الله تعالى عنه: " ما أذن الله (١) لشئ كإذنه لنبى يتغنى بالقرآن يجهر به "، وحديث: " زينوا القرآن بأصواتكم "، وحديث: " ليس منا من لم يتغن بالقرآن "، فقالت طائفة من العلماء: معناها تحسين قراءته وترنمه به ورفع صوته بها كما سبق ذلك في بدع المساجد.

والمروى عنه -صلى الله عليه وسلم- وعن الصحابة رضي الله عنهم عند استماع القرآن إنما هو فيض الدموع واقشعرار الجلود، كما قال تعالى: {اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ

وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ} (٢): أي قرآنًا يشبه بعضه بعضًا في النظم وغيره مثنى فيه الوعد والوعيد وغيرهما ترتعد عند ذكر وعيده جلود الذين يخافون ربهم، ثم تلين جلودهم وتطمئن قلوبهم عند ذكر وعده، فهكذا يكون تأثير القرآن الحكيم في الأرواح والحية: وقرأ ابن مسعود على النبي -صلى الله عليه وسلم- النساء فلما بلغ إلى قوله تعالى: {وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا} (٣) قال: "حسبك" فالتفت إليه وإذا عيناه تذرقان. متفق عليه، نسأله تعالى التوفيق للصواب.

(ومن سيئ العادات): عدم المبالاة بحضور الأمكنة التى لا تخلو عن شيء من المنكرات كأماكن اللهو والقهاوى العمومية وكالجلوس في الطرقات التى لا تخلو عن فعل المنكرات أو رؤية العورات.

وتفصيل الحكم في ذلك أن من قصد الحضور في محل فيه منكر يقينًا أو ظنًّا غالبًا، أو قصد البقاء في ذلك المحل ولم يكن له حاجة فيه فهو آثم إلا أن دفع ذلك المنكر، فلا ينفى الإثم عنه حينئذ عجزه عن دفع المنكر وإن كرهه بقلبه، فقد أخرج البيهقي في "شعب الإيمان" بسند حسن عن عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "لا تقفن عند رجل يقتل مظلومًا فإن اللعنة تنزل على من حضره ولم


(١) أي استمع وهو إشارة إلى الرضى والقبول.
(٢) [سورة الزمر: الآية ٢٣].
(٣) [سورة النساء: الآية ٤١].

<<  <   >  >>