للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

قوله تعالى: {ولئن اتبعت أهواءهم}: نقول فيها مثلما قلنا في قوله تعالى: {ولئن أتيت}؛ ففيها قَسَم، وشرط؛ والجواب للقسم ــ وهو قوله تعالى: {إنك إذاً ... }؛ والخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم؛ و «إن» الشرطية لا تستلزم وقوع شرطها؛ وإنما قلنا ذلك لئلا يقول قائل: هل من الممكن أن الرسول صلى الله عليه وسلم يتبع أهواءهم من بعد ما جاءه من العلم؟ الجواب: لا يمكن؛ و «إن» الشرطية لا تستلزم وقوع جواب شرطها: ألم يقل الله سبحانه وتعالى: {ولقد أوحي إليك وإلى الذين من قبلك لئن أشركت ليحبطن عملك} [الزمر: ٦٥]؛ وإشراك النبي صلى الله عليه وسلم لا يمكن أبداً وقوعه؛ وكذلك قوله تعالى: {قل إن كان للرحمن ولد فأنا أول العابدين} [الزخرف: ٨١]؛ ووجود الولد لله لا يمكن.

وقوله تعالى: {أهواءهم} جمع هوى، وهو الميل؛ ومنه يقال للنجم: «هوى» إذا مال، وسقط؛ ويطلق «الهوى» في الغالب على الميل عن الحق؛ ويقابله «الهدى»؛ فيقال: اتبعَ الهوى بعد الهدى؛ وإن صح الحديث وهو قول الرسول صلى الله عليه وسلم: «لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعاً لما جئت به» (١) - فهو دليل على أن الهوى يكون في الخير كما يكون في الشر.

قوله تعالى: {من بعد ما جاءك من العلم} متعلق


(١) أخرجه البغوي في شرح السنة ١/ ٢١٢ - ٢١٣، حديث رقم ١٠٤، قال النووي في آخر الأربعين النووية "حسن صحيح"، وقال الحافظ في الفتح ١٣/ ٢٨٩: أخرجه الحسن بن سفيان وغيره؛ ورجاله ثقات؛ وقال الحافظ ابن رجب في جامع العلوم والحكم (٢/ ٣٩٤): تصحيح هذا الحديث بعيد جداً من وجوه ...