للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

رقم الحديث:

وأجاب بعضهم بأن حديث عدي محمول على كراهة التنزيه، وحديث أبي ثعلبة لبيان أصل الحل، قال بعضهم: ومناسبة ذلك أن عديًّا كان موسرًا فاختير له الأَوْلى، بخلاف أبي ثعلبة فإنه كان من الأعراب العسرين. وبعضهم بأنه يحمل على الذي مات من شدة العدْو أو من الصدمة وأكل منه الكلب. ولا يخفى بُعْدُ هذا. وأجاب أهل القول الأول بأن الحديثين تعارضا، لكن حديث عدي مُرَجَّح؛ لأنه مخرج في "الصحيحين"، ودلالته صريحة، مبيَّنة بالمناسب للتحريم، مؤيَّدة بظاهر قوله تعالى: {فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ} (١). ومقتضاها أن الذي أمسكه من غير إرسال يحرم، فكذلك ما أكل منه، لأنه في حكم ما استُرسل بنفسه، ويتقوى أيضًا بالشواهد، كحديث ابن عباس. وأما جواب الإمام المهدي وما ذكر بعده فلا تخفى رِكَّتُه.

وقوله: "وإن وجدت". إلخ. فيه دلالة على أنه لا يحل ما احتمل أن المؤثر في قتله غيرُ المرسل؛ لوجود الشك في ذلك، فيُغَلَّب جانبُ الحظر، ولهذه القاعدة اختلفوا في أكل الصيد إذا غاب مصرعه؛ فقول لمالك أنه إذا وجد به أثرًا من الكلب، أنه يؤكل ما لم يبت، فإذا بات كره. وقال بالكراهة الثوري. وقال عبد الوهاب من المالكية: إنه لا يؤكل إذا كان من أثر الكلب، وإن كان من السهم ففيه خلاف. وقال ابن الماجشون: يؤكل منهما جميعًا إذا وجد منفوذ المقاتل. وقال مالك في "المدونة" (٢): لا


(١) الآية ٤ من سورة المائدة.
(٢) المدونة الكبرى ٣/ ٥٢.