سبحانَ اللهِ! كيف تَكُونُ أَعْلَمَ وأَحْكَمَ ولَيْسَتْ بأَسْلَمَ، لأنَّا نعلمُ أنَّ الأعلمَ والأحكمَ يَجِبُ أن يَكُونَ الأسلمَ، ونعلمُ أيضًا أنكم إذا أَقْرَرْتُم أنَّ طريقةَ السَّلَفِ أَسْلَمُ فهي الأعلمُ والأحكمُ؛ لكن هؤلاء أتوا حيث لم يفهموا طريقةَ السَّلَفِ، ظنُّوا أنَّ طريقةَ السَّلَفِ التفويضُ، وأنْ نكونَ أمامَ آياتِ الصفاتِ وأحاديثِها كالأُمِّيِّين الذين لا يَعْلَمُونَ عن الكتابِ إلا أمانِيَّ، يظنُّون أنَّ السلفيَّ إذا قلتَ له:{وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا}[الفجر: ٢٢] ما معنى {وَجَاءَ}؟ اللهُ أعلمُ، لا أدري. {اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ}[الأعراف: ٥٤] ما معناه؟ قال: لا أدري. {وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ}[الرحمن: ٢٧] ما معناه؟ قال: لا أدري.
هذا رأيُهُم في مَذْهَبِ السَّلَفِ، وهل هذا حقيقةُ مذهبِ السَّلَفِ؟ لا، أبدًا السَّلَفُ يقولُ: نَعْرِفُ المعنى، نَعْرِفُ {وَجَاءَ رَبُّكَ} أنه أتى عَزَّ وَجَلَّ على وَجْهٍ يليقُ بجلالِهِ، أنَّ له وجهًا يليقُ بجلالِهِ، أنَّ له استواءً يليقُ بجلالِهِ، نَعْلَمُ هذا، ونعرفُ المعنى لكن تسأَلُنِي الكيفيَّةَ لا أستطيعُ أن أتكلَّمَ؛ لأَنَّه ليس لي عِلْمٌ بهذا.
هم لمَّا ظنوا أنَّ مذهبَ السلفِ هو التفويضُ - يعني: تفويضُ المعنى والكيفيَّةِ - قالوا: طريقةُ الخلفِ أَعْلَمُ وأَحْكَمُ. ونحن معهم، إذا كان مَذْهَبُ السلفِ أنهم لا يَفهمون المعنى؛ فالذي يَفْهَمُ المعنى أحسنُ من الذي لا يَفْهَمُ، لا شكَّ في هذا، وإن كان فَهْمَهُم خاطئًا لكن طريقَتَهُم سليمةٌ، إلا أننا نقولُ لهم: طريقةُ السلفِ إثباتُ المعاني، وهذا مشهورٌ متواترٌ عنهم، يقولون في آياتِ الصفاتِ وأحاديثِها: أَمَرُّوها كما جاءت بلا كَيْفٍ.
هذه الجملةُ التي اتفق عليها السَّلَفُ، تدلُّ على أنهم يُثْبِتُونَ المعنى من وجهين: أولًا: أنَّهم قالوا: أَمَرُّوهَا كما جاءت. ونحن نَعْلَمُ أنَّ اللهَ تعالى أتى بها، ورسولَهُ أتى بها لإثباتِ معانٍ؛ ليس لتُقْرَأَ ألفاظًا جوفاءَ.