للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

وما يحدُث فيها من النعيمِ مُتسلسلٌ إلى ما لا نهايةَ له، وكذلك النَّارُ.

وفي الماضي لم يُخْبِرْنَا اللهُ عَزَّ وَجَلَّ إلا عن خلقِ السَّمواتِ والأرضِ والعرشِ، وما أَشْبَهَ ذلك، لكن نَعْلَمُ أنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ له أن يَفْعَلَ ما شاء قَبْلَ هذه المخلوقاتِ؛ لأنَّه قادرٌ، والقادرُ على الشيءِ يجوزُ أن يَفْعَلَ، وقولُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ} [هود: ١٠٧]، يَشْمَلُ الماضيَ والمستقبلَ، وهذا هو الذي دلَّ عَلَيْهِ الكتابُ والسُّنَّةُ والعقلُ، وإن كان بعضُ الناسِ أَنْكَرَ على شيخِ الإسلامِ رَحِمَهُ اللَّهُ حين صَرَّحَ بجوازِ التسلسلِ في الماضي (١)، وقالوا: هذا لا يُمْكِنُ، إذا قلتَ بالتسلسلِ في الماضي لَزِمَ أن يكونَ الخلقُ مع الخالقِ، وهذا باطلٌ إلى أَبْعَدِ الحدودِ.

هل يلزمُ أن يكونَ الفعلُ مع الفاعلِ؟ إذا قلتَ: إن اللهَ فَعَّالٌ، لا يلزمُ، بل من الضروريِّ أنَّ المفعولَ قد سَبَقَهُ فِعْلٌ، وأنَّ الفِعْلَ قد سَبَقَه فاعلٌ مُريدٌ، هذا شيءٌ عقليٌّ.

فأنا أقولُ لكم: البحثُ في التسلسلِ، وإتعابُ النفوسِ فيه، وإتعابُ الأفكارِ، وملءُ الأسفارِ منه، كلُّ هذا إنما حَدَثَ حينما قال به أهلُ البدعِ، ودخل على الأمةِ الإسلاميَّةِ حين عُرِّبَتِ الكتبُ الرومانيَّةُ واليونانيَّةُ، وإلا فالناسُ في غفلةٍ عن هذا، على فِطَرِهِمْ أن رَبَّنَا عَزَّ وَجَلَّ لم يَزَلْ ولا يزالُ فعَّالًا، وأن ذلك لا يَسْتَلْزِمُ قِدَمَ الحوادِثِ؛ فالمفعُولاتُ شيءٌ، والفاعلُ شيءٌ آخرُ، انتبهوا لهذه المسائلِ، لو فَكَّرْتُم لوجدْتُم الطريقَ الأسلمَ والأعلمَ والأحكمَ طريقَ السَّلَفِ.

واستمعْ إلى القَوْلَةِ المشهورةِ الباطلةِ، التي تَجِدُونَها في كتبِ من عُرِفُوا بالصلاحِ والإصلاحِ، يقولون: "طريقةُ السلفِ أَسْلَمُ، وطريقةُ الخلَفِ أَعْلَمُ وأَحْكَمُ".


(١) انظر: درء التعارض (١/ ٣٦٨).

<<  <   >  >>