لكنَّ السلفَ رَحِمَهُم اللَّهُ مُضْطَرُّونَ إلى قولٍ لا يُخالفُ المرادَ؛ دفعًا لباطلِ ابتدعه أهلُ البِدَعِ. مثلًا قال اللهُ تعالى:{وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ}[الحديد: ٤]، ألا تعلمون أنه لم يَشْتَهِرْ عن السلفِ إلا قولُهُم: هو معهم بِعِلْمِه. قالوا هذا، كما قال عبدُ اللهِ بنُ المباركِ، نقولُ: هو معهم بعِلْمِه، ولا نقولُ كما يقولُ هؤلاء هو في الأرضِ (١)، فَقَصْدُه معهم بِعِلْمِه ردًّا لمن قالوا: إنه معهم بذاتِهِ. يعني في المكانِ الذي هم فيه.
لكن لو رَجَعْنا إلى مدلولِ الآيةِ، بقطعِ النظرِ عن الرَّدِّ على أهلِ البِدَعِ، قلنا:{وَهُوَ مَعَكُمْ} كما عرف الله خلق إلى نفْسِه، وهو معهم أي نَفْسُه؛ لكن لا يَلْزَمُ من المعيَّةِ أن يكونَ في الأرضِ، بل هو بالنِّسبةِ للهِ تعالى مُمْتنعٌ غايةَ الإمتناعِ، انتبهوا لهذا، مع أنَّه معنا بعِلْمِه، وسَمْعِه، وَبَصَرِه، وسُلْطَانِه، وتدبيرِه، وكلُّ ما تقتضيه معاني الربوبيَّةِ؛ لكنَّ هناك ظروفًا تلجئُ الإنسانَ إلى القولِ إلى شيءٍ زائدٍ عن النصِّ؛ لتوضيحِ النصِّ، والرَّدِّ على من حَرَّفَه.
أرأيتُم التَّسَلْسُلَ مثلًا، التسلسلُ أصولُ الخلافِ فيه ثلاثةٌ: المنعُ في المستقبلِ والماضي، الجوازُ في المستقبلِ والماضي، الجوازُ في المستقبلِ والمنعِ في الماضي. والتسلسلَ في الواقعَ أنه من المُحْدَثاتِ، هل اللهُ عزَّ وَجَلَّ لم يَزَلْ ولا يزالُ فعالًا؟ أو كان في الأولِ مُعَطَّلًا عن الفعلِ ثم فَعَلَ؟ هذا واحدٌ. وهل لا يزالُ فعَّالًا؟ أو سيأتي اليومُ الذي تنتهي فيه الخلائقُ، ويفنى كلُّ شيءٍ، هذا اثنان، أو أنَّ اللهَ تعالى لم يزلْ في الماضي، ولا يزالُ في المستقبلِ فعَّالًا. الثالثُ هو الحقُّ الذي لا شكَّ فيه؛ أنه لم يَزَلْ ولا يزالُ فعَّالًا، لكنَّ فِعْلَه تابعٌ لمشيئتِه، إنْ شَاءَ فَعَلَ، وإن شاء لم يَفْعَلْ.
هذا القولُ وهو جوازُ التسلسلِ في الماضي والمستقبلِ هو المُتَعَيَّنُ، الجنَّةُ باقيةٌ أبدًا،
(١) انظر: خلق أفعال العباد للبخاري (ص: ٣٠)، والأسماء والصفات للبيهقي رقم (٩٠٣).