٥٨]، وهذا قول كثير من العلماء، أو أكثرهم، وهو ظاهر كلام أحمد، وقول أكثر أصحابه، وكذا قال الشافعيّ في "الأمّ": أحبُّ إليّ أن لا تُسمّى العشاء الآخرة عتمةً، وهو قول كثير من أصحابه، أو أكثرهم.
ومنهم من قال: يكره أن تسمّى عتمةً، وهو وجه ضعيفٌ لأصحابنا، وقد روي عن طائفة من السلف منهم ابن عمر، وكان يكرهه كراهة شديدةً، ويقول: أول من سقاها بذلك الشيطان، وكرهه أيضًا ابنه سالم، وابن سيرين.
قال: وقد حمله -يعني حديث: "لا تغلبنّكم الأعراب. . . إلخ"- بعض أصحابنا على كراهة نفي الكمال دون الكراهة، وحمله بعضهم على كراهة هجران اسم العشاء، وغلبة اسم العتمة عليها كفعل الأعراب، وتسميتها في كتاب اللَّه بالعشاء، لا يدلّ علىكراهة تسميتها بغيره، كما أن اللَّه تعالى سمّى صلاة الصبح صلاة الفجر، ولا يُكره تسميتها صلاة الصبح. انتهى كلام ابن رجب -رَحِمَهُ اللَّهُ- (١).
وقال في "الفتح": واختَلَف السلف في ذلك، فمنهم من كرهه، كابن عمر راوي الحديث، ومنهم من أطلق جوازه، نقله ابن أبي شيبة عن أبي بكر الصديق وغيره، ومنهم من جعله خلاف الأولى، وهو الراجح، وكذلك نقله ابن المنذر، عن مالك، والشافعيّ، واختاره.
وقال أيضًا بعد ذكره أنه ورد تسميتها بالعتَمَة في حديث ابن عمر، وأبي برزة، وعائشة -رضي اللَّه عنهم- ما نصّه: وفي كل ذلك إشعار بغلبة استعمالهم لها بهذا الاسم، فصار مَن عَرَفَ النهي عن ذلك يَحتاج إلى ذكره؛ لقصد التعريف.
قال النوويّ وغيره: يُجْمَع بين النهي عن تسميتها عَتَمَةً وبين ما جاء من تسميتها عتمة بأمرين:
[أحدهما]: أنه استَعْمَل ذلك لبيان الجواز، وأن النهي للتنزيه، لا للتحريم.
[والثاني]: بأنه خاطب بالعَتَمَة مَن لا يعرف العشاء؛ لكونه أشهر عندهم من العشاء، فهو لقصد التعريف، لا لقصد التسمية.
(١) "فتح الباري" لابن رجب ٤/ ٣٦٣ - ٣٦٥.