للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

رقم الحديث:

النار أحدٌ مات على التوحيد، ولو عمل من المعاصي ما عَمِلَ، كما أنه لا يدخل الجنة أحدٌ مات على الكفر، ولو عَمِلَ من أعمال البر ما عَمِلَ.

هذا مختصرٌ جامع لمذهب أهل الحقّ في هذه المسألة، وقد تظاهرت أدلة الكتاب والسنة وإجماع مَن يُعْتَدُّ به من الأمة على هذه القاعدة، وتواترت بذلك نصوصٌ تُحَصِّلُ العلم القطعيّ.

فإذا تَقَرَّرت هذه القاعدة، حُمِل عليها جميعُ ما وَرَدَ من أحاديث الباب وغيره، فإذا ورد حديث في ظاهره مُخَالَفَةٌ وَجَبَ تأويله عليها " لِيُجْمَعَ بين نصوص الشرع، وسنذكر من تأويل بعضها ما يُعْرَف به تأويل الباقي - إن شاء الله تعالى - انتهى كلام النوويّ (١)، وهو تحقيقٌ نفيسٌ. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.

(المسألة الرابعة):

قد تكلّم العلماء في معنى هذا الحديث، فقد جَمَع القاضي عياض رحمه الله تعالى كلامًا حسنًا، جَمَعَ فيه نفائس، لخّصه النوويّ رحمه الله تعالى في "شرحه"، وزاد عليه، فقال:

قال القاضي رحمه الله تعالى: اختلف الناس فيمن عَصَى الله تعالى من أهل الشهادتين، فقالت المرجئة: لا تضرّه المعصية مع الإيمان، وقالت الخوارج: تضره، ويُكَفَّر بها، وقالت المعتزلة: يُخَلَّد في النار، إذا كانت معصيةً كبيرةً، ولا يوصف بأنه مؤمن ولا كافر، ولكن يوصف بأنه فاسقٌ، وقالت الأشعرية: بل هو مؤمن، وإن لم يُغْفَر له، وعُذِّب فلا بد من إخراجه من النار، وإدخاله الجنة، قال: وهذا الحديث حجة على الخوارج، والمعتزلة، وأما المرجئة، فإن احتجت بظاهره، قلنا: مَحْمِله على أنه غُفِر له، أو أُخرج من النار بالشفاعة، ثم أُدخل الجنة، فيكون معنى قوله - صلى الله عليه وسلم -: "دَخَل الجنة"، أي دخلها بعد مُجازاته بالعذاب، وهذا لا بد من تأويله، لِمَا جاء في ظواهرَ كثيرةٍ من عذاب بعض العصاة، فلا بُذ من تأويل هذا؛ لئلا تتناقض نصوص الشريعة.

وفي قوله - صلى الله عليه وسلم -: "وهو يَعْلَمُ"، إشارة إلى الردّ على من قال من غلاة


(١) "شرح مسلم" ١/ ٢١٧.