يَفْهَم السامع معنى ما أَمَرَهُ، كأنهم قالوا: كيف تأمرنا بالانتفاع بها، وقد حُرِّمت علينا؟ فَبَيَّنَ له وجه التحريم.
٣ - (ومنها): أنه يؤخذ منه جواز تخصيص الكتاب بالسنة؛ لأن لفظ القرآن:{حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ}[المائدة: ٣]، وهو شامل لجميع أجزائها في كل حال، فَخَصَّت السنةُ ذلك بالأكل.
٤ - (ومنها): أن فيه حُسْنَ مراجعتهم، وبلاغتهم في الخطاب؛ لأنهم جَمَعُوا معانيَ كثيرةً في كلمة واحدة، وهي قولهم:"إنها ميتة".
٥ - (ومنها): أن الزهريّ رحمه الله استَدَلَّ به على جواز الانتفاع بجلد الميتة مطلقًا، سواءٌ أدُبغَ أم لم يُدْبَغ؟.
وتُعُقِّب بأنه صَحَّ عنه - صلى الله عليه وسلم - تقييده بالدباغ، فالحقّ أنه لا بدّ منه، وهو مذهب الجمهور.
٦ - (ومنها): أنه استُدلّ به على جواز دفع الزكاة لموالي أزواج النبيّ - صلى الله عليه وسلم -، وقد ترجم به الإمام البخاريّ رحمه الله في "صحيحه" بقوله: "باب الصدقة على موالي أزواج النبيّ - صلى الله عليه وسلم -"، ثم أورد حديث ابن عبّاس - رضي الله عنهما - هذا، وسيأتي تمام البحث فيه في محلّه من كتاب الزكاة - إن شاء الله تعالى -.
٧ - (ومنها): بيان مشروعيّة حفظ المال، والعمل في تنميته، حيث إن النبيّ - صلى الله عليه وسلم - أرشدهم إلى أخذ جلدها، وإصلاحه بالدباغ، ثم الانتفاع به، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في حكم جلود الميتة:
قال الإمام أبو بكر بن المنذر رحمه الله: اختَلَفَ أهل العلم في الانتفاع بجلود الميتة قبل الدباغ وبعده:
فنهت طائفةٌ عن الانتفاع به قبل الدباغ وبعده، وممن قال بهذا القول أحمد بن حنبل، وقال زيد بن وهب: كَتَبَ إلينا عمر بن الخطاب أنه بلغني أنكم بأرض تَلْبسون ثيابًا، يقال لها: الفِرَاء، فانظروا ما من ميتة.
ثم أخرج بسنده، عن القاسم بن محمد بن أبي بكر، أن محمد بن الأشعث، كَلَّم عائشة - رضي الله عنها - في أن يتخذ لها لِحَافًا من الفِرَاء، فقالت: إنه ميتة،