قال الجامع عفا الله عنه: الذي يظهر أن مجموع هذه الروايات تدلّ على ثبوت الحوض للأنبياء، فالأَولى حمل خصوصيّة نبيّنا -صلى الله عليه وسلم- بالحوض الذي يصبّ عليه الكوثر، والله تعالى أعلم.
(المسألة الخامسة): في اختلاف الروايات هل الحوض قبل الصراط، أم بعده؟:
قال في "الفتح": إيراد البخاريّ -رَحِمَهُ اللهُ- لأحاديث الحوض بعد أحاديث الشفاعة، وبعد نصب الصراط، إشارة منه إلى أن الورود على الحوض يكون بعد نصب الصراط، والمرور عليه، وقد أخرج أحمد، والترمذيّ من حديث النضر بن أنس، عن أنس، قال: سألت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أن يشفع لي، فقال:"أنا فاعلٌ"، فقلت: أين أطلبك؟ قال:"اطلبني أوّلَ ما تطلبني على الصراط"، قلت: فإن لم ألقك، قال:"أنا عند الميزان"، قلت: فإن لم ألقك، قال:"أنا عند الحوض".
وقد استُشكِل كون الحوض بعد الصراط بما سيأتي في بعض أحاديث هذا الباب أن جماعة يُدفعون عن الحوض بعد أن يكادوا يَرِدون، ويُذْهَب بهم إلى النار، ووجه الإشكال أن الذي يمرّ على الصراط إلى أن يَصِل إلى الحوض يكون قد نجا من النار، فكيف يُرَدّ إليها؟.
ويمكن أن يُحْمَل على أنهم يَقْرُبون من الحوض، بحيث يرونه، ويرون النار، فيُدفعون إلى النار قبل أن يخلُصُوا من بقية الصراط.
وقال أبو عبد الله القرطبيّ في "التذكرة": ذهب صاحب "القوت" وغيره إلى أن الحوض يكون بعد الصراط، وذهب آخرون إلى العكس، والصحيح أن للنبيّ -صلى الله عليه وسلم- حوضين: أحدهما: في الموقف قبل الصراط، والآخر داخل الجنة، وكل منهما يسمى كوثرًا.
قال الحافظ: وفيه نظر؛ لأن الكوثر نهر داخل الجنة، وماؤه يصبّ في الحوض، ويُطلق على الحوض كوثر؛ لكونه يُمَدّ منه، فغاية ما يؤخذ من كلام القرطبيّ أن الحوض يكون قبل الصراط، فإن الناس يَرِدون الموقف عِطاشًا، فَيَرد المؤمنون الحوض، وتتساقط الكفار في النار، بعد أن يقولوا: ربنا عَطِشنا، فتُرفع لهم جهنم؛ كأنها سَرَابٌ، فيقال:"ألا تَرِدون؟ "، فيظنونها ماء، فيتساقطون فيها.