بل عن عموم الرسالة، وعن شرائع الإسلام، ولو كان إنشاءً لكان طَلَبَ معجزةً، توجب له التصديق، قاله الكرمانيّ، وعكسه القرطبيّ، فاستدل به على صحة إيمان المقلد للرسول، ولو لم تظهر له معجزةٌ، وكذا أشار إليه ابن الصلاح. انتهى (١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ما ذهب إليه القرطبيّ رحمه الله تعالى هو الذي يظهر لي، ودونك عبارته:
قال رحمه الله تعالى: وقد خَرَّج البخاريّ هذا الحديث، وقال فيه: عن أنس - رضي الله عنه -: "بينما نحن جلوس مع النبيّ - صلى الله عليه وسلم - في المسجد، دخل رجل على جمل، فأناخه في المسجد ثم عَقَلَه، ثم قال لهم: أَيُّكُم محمد، والنبي - صلى الله عليه وسلم - متكئ بين ظهرانيهم، فقلنا: هذا الرجل الأبيض المتكئ، فقال له الرجل: يا ابن عبد المطلب، فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم -: قد أجبتك، فقال الرجل للنبي - صلى الله عليه وسلم -: إني سائلك، فمشدِّدٌ عليك في المسألة، فلا تَجِدْ عليَّ في نفسك، فقال: سَلْ عما بدا لك، فقال: أسألك بربك ورب من قبلك: آلله أرسلك إلى الناس كلهم؟ فقال: اللهم نعم … ، وذكر نحو حديث مسلم.
وقد فَهِمَ البخاريّ من هذا الحديث أن هذا الرجل قد كان أسلم على يدي رسول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حين جاءهم، وصحّ إيمانه، وحَفِظ شرائعه، ثم جاء يَعْرِضها على النبيّ - صلى الله عليه وسلم -، ألا ترى البخاريّ كيف بوّب على هذا "باب القراءة والعرض على المحدّث"، وكأن البخاريّ أخذ هذا المعنى من قول الرجل في آخر الحديث: "آمنت بما جئت به، وأنا رسول من ورائي من قومي"، وفيه نظر، وأما مساق حديث مسلم، فظاهر أن الرجل لم يُشرَح صدره للإسلام بعدُ، وأنه بقيت في قلبه منازعات وشكوك، فجاء مجيء الباحث المستثبت، إلا تراه يقول "يا محمد أتانا رسولك، فزعم لنا أنك تزعم أن الله أرسلك"، فإن الزعم قولٌ لا يوثق به، قاله ابن السّكّيت وغيره.
غير أن هذا الرجل كان كامل العقل، وقد كان نظر بعقله في المخلوقات، فَدلَّهُ ذلك على أن لها خالقًا خلقها، إلا ترى أنه استفهم النبيَّ - صلى الله عليه وسلم -