للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

رقم الحديث:

المحدِّثون من السلف الصالحين، من إثبات الصفات لله - سبحانه وتعالى - على ظواهرها، من غير تشبيه، ولا تمثيل، ومن غير تأويل، ولا تعطيل، لكن هؤلاء هكذا عادتهم في أحاديث الصفات، مع أنهم من أكابر المحدّثين، يرغبون عن مذهب المحدّثين، ويسلكون فيها مسلك المتكلّمين، وما أدّاهم إلى هذا التأويل المتكلّف به إلا تشبيه الغائب بالشاهد، فإنهم لمّا اعتقدوا أن النظر في المخلوق لا يحصل إلا بتقليب الحدقة، قالوا: هذا محال على الله تعالى، نعم هو محالٌ، ولكن من الذي قال لكم: إنه لا يحصل النظر إلا بهذا؟ أليس الله تعالى مباينًا لخلقه في ذاته وصفاته؟، فهو - سبحانه وتعالى - له الأسماء الحسنى، والصفات العُلَى، فالواجب علينا أن نعتقد أنه - سبحانه وتعالى - ينظر إلى عباده نظرًا حقيقيًّا كما يليق بجلاله، ولا يلزمنا أن نعرف حقيقة نظره، إذ {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} [الشورى: ١١]، فكما أننا نثبت له ذاتًا، لا تشبه ذوات مخلوقه، كذلك نثبت له ما أثبت لنفسه من الصفات حقيقةً، لا مجازًا؛ لأن المجاز لا يصار إليه إلا عند تعذّر الحقيقة، ولم تتعذّر هنا، وأيضًا المعنى المجازيّ الذي أوَّلوا به يلزم منه التشبيه، فإن الرحمة هي رقة القلب، التي تقتضي العطف على المرحوم، وهذا فيه من التشبيه نظير ما وقع في معنى النظر بلا فرق، فتأمّل بالإنصاف، ولا تكن أسير التقليد، فإنه حجة البليد، وملجأ العنيد.

وقال في "الفتح" أيضًا: ويؤيد ما ذُكر من حمل النظر على الرحمة، أو المقت ما أخرجه الطبراني، وأصله في أبي داود، من حديث أبي جُرَيّ: "أن رجلًا ممن كان قبلكم، لبس بردة، فتبختر فيها، فنظر الله إليه، فمقته، فأمر الأرض فأخذته … " الحديث. انتهى.

قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي ادّعاه من تأييد الحمل المذكور فيه نظرٌ لا يخفى، فإنه أثبت لله - سبحانه وتعالى - النظر، ثم بيّن ما ترتّب على ذلك، وهو المقت، وما بعده، ولا تعرّض فيه للحمل المذكور، فتأمل بإنصاف، ولا تتحيّر بالاعتساف، والله - عزَّ وجل - الهادي إلى سواء السبيل.

{رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ} [آل عمران: ٨]، اللَّهم أرنا الحقّ حقًّا، وارزقنا اتّباعه، وأرنا الباطل باطلًا، وارزقنا اجتنابه، آمين.