الخمر، ولا خلاف بين علماء المسلمين، أن سورة المائدة نزلت بتحريم الخمر، وهي مدنية من آخر ما نزل، وورد التحريم في الميتة، والدم، ولحم الخنزير في قوله تعالى:{قُلْ لَا أَجِدُ} وغيرها من الآي خبرًا، وفي الخمر نهيًا وزجرًا، وهو أقوى التحريم، وأوكده، رَوَى ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: لمّا نزل تحريم الخمر، مَشَى أصحاب رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، بعضهم إلى بعض، وقالوا: حُرِّمت الخمر، وجُعلت عِدلًا للشرك - يعني: أنه قرنها بالذبح للأنصاب، وذلك شرك - ثم علّق الفلاح بالأمر، فقال:{لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} دلالة على تأكيد الوجوب. قاله القرطبيّ.
وقال النسفيّ: أكّد تحريم الخمر، والميسر من وجوه: حيث صدّر الجملة بـ "إنما"، وقرنهما بعبادة الأصنام، وجعلهما رجسًا من عمل الشيطان، ولا يأتي منه إلَّا الشرّ البحت، وأمر بالاجتناب، وجعل الاجتناب من الفلاح، وإذا كان الاجتناب فلاحًا، كان الارتكاب خسارة. انتهى (١).
{إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ} الآية [المائدة: ٩] قال القرطبيّ - رَحِمَهُ اللهُ -: أعلم الله تعالى عباده أن الشيطان، إنما يريد أن يوقع العداوة والبغضاء بيننا، بسبب الخمر وغيره، فحذّرنا منها، ونهانا عنها.
رُوي أن قبيلتين من الأنصار شربوا الخمر، وانتشوا، فعبث بعضهم ببعض، فلما صحوا رأى بعضهم في وجه بعض آثار ما فعلوا، وكانوا إخوة ليس في قلوبهم ضغائن، فجعل بعضهم يقول: لو كان أخي بي رحيمًا ما فعل بي هذا، فحدثت بينهم الضغائن، فأنزل الله:{إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ} الآية.
{وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ} المائدة: ٩] يقول: إذا سكرتم لَمْ تذكروا الله، ولم تصلّوا، وإن صلّيتم خلط عليكم كما فعل بعلي - رضي الله عنه -، ورُوي بعبد الرَّحمن، وقال عبيد الله بن عمر: سئل القاسم بن محمد، عن الشطرنج، أهي ميسر، وعن النرد أهو ميسر؟ فقال: كلّ ما صدّ عن ذكر الله، وعن الصلاة