عما لَمْ يقع، ولا تدعو إليه حاجة، وقد تظاهرت الأحاديث الصحيحة بالنهي عن ذلك، وكان السلف يكرهون ذلك، ويرونه من التكلف المنهيّ عنه، وفي الصحيح: كره رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - المسائل وعابها، وقيل: المراد به: سؤال الناس أموالهم، وما في أيديهم، وقد تظاهرت الأحاديث الصحيحة بالنهيّ عن ذلك، وقيل: يَحْتَمِل أن المراد: كثرة السؤال عن أخبار الناس، وأحداث الزمان، وما لا يَعني الإنسان، وهذا ضعيف؛ لأنه قد عُرف هذا من النهي عن قيل وقال، وقيل: يَحْتَمِل أن المراد: كثرة سؤال الإنسان عن حاله، وتفاصيل أمره، فيدخل ذلك في سؤاله عما لا يعنيه، ويتضمن ذلك حصول الحرج في حق المسؤول، فإنه قد لا يُؤْثِر إخباره بأحواله، فإن أخبره شقّ عليه، وإن كَذَبه في الإخبار، أو تكلف التعريض لَحِقَته المشقة، وإن أهمل جوابه ارتكب سوء الأدب.
(وَإِضَاعَةَ الْمَالِ") هو صَرْفه في غير وجوهه الشرعية، وتعريضه للتلف، وسبب النهي أنه إفساد، والله لا يجب المفسدين، ولأنه إذا أضاع ماله تعرَّض لِمَا في أيدي الناس، قاله النوويّ - رَحِمَهُ اللهُ -.
وقال القرطبيّ - رَحِمَهُ اللهُ -: إضاعة المال: إتلافه وإهلاكه، كما قد حُكي عن بعض جُهَّال المتزهدة أنه رَمَى مالًا كان عنده، وحرَّق آخرُ منهم كُتُبَ عِلْمِ الحديث كانت عنده، وربما أمر بهذا بعض الشيوخ الْجُهَّالَ، وهذا محرَّم بإجماع الفقهاء، ويلحق بإتلاف عينه منع صرفه في وجوهه من مصالح دنياه ودِينه، كما يفعله أهل البُخل، ودناءة الهمم؛ يدَّخرون المال، ويكثرونه، ولا ينفعون نفوسهم بإنفاق شيء منه، ولا يصونون به وجوههم، ولا أديانهم، فهذا المصنّف هو المحروم الخاسر؛ الذي قال فيه الشاعر [من البسيط]:
وأشدُّ من هذا كلِّه قبحًا وإثْمًا من يُتلف ماله في معاصي الله تعالى، فيستعين بمال الله على معاصيه، ويخرجه في شهواته المحرمة، ولا يباليه، ويَدخُل في عموم النهي عن إضاعة المال: القليل منه والكثير؛ لأنَّ المال هنا: هو كلُّ ما يُتَمَوَّل؛ أي: يُتَملَّك؛ حتى لو رمى بثمن درهم في البحر مثلًا لكان ذلك محرمًا، وكذلك لو منعه مِنْ صرفه في وجهه الواجب، وكذلك لو أنفقه