[وأجيب]: بأن ذلك يستلزم الحكم الشرعيّ، فيعود الإشكال، كما كان، ومن حجج من أجاز ذلك قوله - صلى الله عليه وسلم -: "أُمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم"، فيُحكم بإسلام من تلفظ بالشهادتين، ولو كان في نفس الأمر يُعتقد خلاف ذلك.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الذي يظهر لي ترجيح القول بثبوت الاجتهاد له - صلى الله عليه وسلم -، لوضوح الأدلة المذكورة، ولكنه لا يُقرّ على خطئه، ولا ينافي ذلك قوله تعالى: {وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣)} الآية [النجم: ٣]؛ لأن ذلك إذا أخبر عن الله سبحانه وتعالى، لا عن اجتهاداته.
والحكمة في ذلك مع أنه كان يمكن اطّلاعه - صلى الله عليه وسلم - بالوحي على كل حكومة، أنه لما كان مُشَرِّعًا، كان يحكم بما شُرع للمكلَّفين، ويعتمده الحكام بعده، ومن ثَمَّ قال:"إنما أنا بشر": أي: في الحكم بمثل ما كُلّفوا به، وقد أشبعت الكلام في هذه المسألة في "التحفة المرضيّة"، و"شرحها"، فراجعه تستفد، وبالله تعالى التوفيق.
قال الحافظ: وإلى هذه النكتة أشار البخاريّ بإيراده حديث عائشة - رضي الله عنها - في قصة ابن وليدة زَمْعَة، حيث حكم - صلى الله عليه وسلم - بالولد لعبد بن زمعة، وألحقه بزمعة، ثم لَمّا رأى شَبَهه بعتبة أمر سودة أن تحتجب منه؛ احتياطًا، ومثله قوله في قصة المتلاعِنَين، لمّا وَضَعت التي لوعنت، ولدًا يُشبه الذي رُميت به:"لولا الأيمان لكان لي ولها شأن"، فأشار البخاريّ إلى أنه - صلى الله عليه وسلم - حكم في ابن وليدة زمعة بالظاهر، ولو كان في نفس الأمر ليس من زمعة، ولا يسمى ذلك خطأ في الاجتهاد، ولا هو من موارد الاختلاف في ذلك، وسَبَقه إلى ذلك الشافعيّ، فإنه لَمّا تكلم على حديث الباب قال: وفيه أن الحكم بين الناس يقع على ما يُسمع من الخصمين بما لَفَظوا به، وإن كان يُمكن أن يكون في قلوبهم غير ذلك، وأنه لا يُقضَى على أحد بغير ما لَفَظ به، فمن فعل ذلك فقد خالف كتاب الله، وسُنَّة نبيه - صلى الله عليه وسلم -، قال: ومثل هذا قضاؤه لعبد بن زمعة بابن الوليدة، فلما رأى الشبه بَيِّنًا بعتبة، قال:"احتجبي منه يا سودة". انتهى.
قال الحافظ: ولعل السر في قوله: "إنما أنا بشر" امتثال قول الله تعالى: {قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ}[الكهف: ١١٠]؛ أي: في إجراء الأحكام على الظاهر،