للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

رقم الحديث:

أخرجه البخاريّ أيضًا عن ابن المدينيّ، وعن الجعفيّ مثل رواية قتيبة بدون الزيادة، وهو المحفوظ، وكذا أخرجه مسلم من طريق سفيان الثوريّ -يعني: الرواية الآتية بعد حديث- عن ابن المنكدر، بلفظ: "حتى نزلت آية الميراث".

فالحاصل أن المحفوظ عن ابن المنكدر أنه قال: آية الميراث، أو آية الفرائض، والظاهر أنها: {يُوصِيكُمُ اللَّهُ} كما صُرِّح به في رواية ابن جريج، ومن تابعه.

وأما من قال: إنها {يَسْتَفْتُونَكَ} فعمدته أن جابرًا لم يكن له حينئذ ولد، وإنما كان يورث كلالةً، فكان المناسب لقصته نزول الآية الأخيرة، لكن ليس ذلك بلازم؛ لأن الكلالة مختلف في تفسيرها، فقيل: هي اسم المال الموروث، وقيل: اسم الميت، وقيل: اسم الإرث، وقيل: ما تقدم، فلما لم يعيّن تفسيرها بمن لا ولد له ولا والد، لم يصح الاستدلال؛ لِمَا قدَّمته أنها نزلت في آخر الأمر، وآية المواريث نزلت قبل ذلك بمدة، كما أخرج أحمد، وأصحاب السنن، وصححه الحاكم من طريق عبد الله بن محمد بن عَقِيل، عن جابر -رضي الله عنه- قال: "جاءت امرأة سعد بن الربيع، فقالت: يا رسول الله، هاتان ابنتا سعد بن الربيع قُتل أبوهما معك في أُحد، وأن عمهما أَخَذ مالهما، قال: يقضي الله في ذلك، فنزلت آية الميراث، فأرسل إلى عمهما، فقال: أعط ابنتي سعد الثلثين، وأمهما الثمن، فما بقي فهو لك"، وهذا ظاهر في تقدم نزولها.

نعم وبه احتَجَّ من قال: إنها لم تنزل في قصة جابر، إنما نزلت في قصة ابنتي سعد بن الربيع، وليس ذلك بلازم؛ إذ لا مانع أن تنزل في الأمرين معًا.

ويَحْتَمِل أن يكون نزول أولها في قصة البنتين، وآخرها، وهي قوله: {وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً} في قصة جابر، ويكون مراد جابر: فنزلت {يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ} أي: ذِكْرُ الكلالة المتصل بهذه الآية، والله أعلم.

وإذا تقرر جميع ذلك، ظَهَر أن ابن جريج لم يَهِمْ كما جَزَم به الدمياطيّ، ومن تبعه، وأن مَن وَهَّمه هو الواهم، والله أعلم. انتهى كلام الحافظ رحمهُ اللهُ في "الفتح" (١).


(١) "الفتح" ١٠/ ٣٨ - ٣٩، كتاب "التفسير" رقم (٤٥٧٧).