للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

رقم الحديث:

واختلفوا أيضًا فيما إذا ألحقته القافة بمدّعيين، هل يكون ابنًا لهما؟، وهو قول سحنون، وأبي ثور، وقيل: يُترك حتى يَكْبَر، فيوالي من شاء منهما، وهو قول عمر بن الخطّاب - رضي الله عنه -، وقاله مالكٌ، والشافعيّ، وقال عبد الملك، ومحمد بن مسلمة: يُلحق بأكثرهما شَبَهًا.

واختَلَفَ نُفاة القول بالقافة في حكم ما أشكل، وتنوزع فيه: فقال أبو حنيفة: يُلحق الولد بهما، وكذلك بامرأتين، وقال محمد بن الحسن: يُلحق بالآباء، وإن كثروا، ولا يُلحق إلا بأم واحدة، ونحوه قال أبو يوسف، وقال إسحاق: يقرع بينهم، وقاله الشافعيّ في القديم، ويُستدلّ له بحديث عليّ - رضي الله عنه - (١). انتهى كلام القرطبيّ - رحمه الله - باختصار (٢).

وقال الإمام ابن القيّم - رحمه الله - بعد ذكر أدلة القائلين بالعمل بالقافة -: قالت الحنفيّة: قد أجلبتم علينا في القافة بالخيل والرَّجِلِ، والحكم بالقيافة تعويلٌ على مجرّد الشبه، والظنّ، والتخمين، ومعلومٌ أن الشبه قد يوجد من الأجانب، وينتفي عن الأقارب، وذكرتم قصّة أسامة وزيد، ونسيتم قصّة الذي ولدت امرأته غلامًا أسود، يخالف لونهما، فلم يمكّنه النبيّ - صلى الله عليه وسلم - من نفيه، ولا جعل للشبه، ولا لعدمه أثَرًا، ولو كان للشبه أثرٌ لاكتفى به في ولد الملاعنة، ولم يحتج إلى اللعان، ولكان ينتظر ولادته، ثم يلحق بصاحب الشبه، ويستغني بذلك عن اللعان، بل كان لا يصحّ نفيه مع وجود الشبه بالزوج، وقد دلّت السنّة الصحيحة الصريحة على نفيه عن الملاعن، ولو كان الشبه له، فإن النبيّ - صلى الله عليه وسلم - قال: "أبصروها، فإن جاءت به كذا وكذا، فهو لهلال بن أميّة"،


(١) أراد بحديث عليّ - رضي الله عنه - ما أخرجه النسائيّ بسند صحيح، عن زيد بن أرقم - رضي الله عنه - قال: أُتِي عليّ بثلاثة، وهو باليمن، وقعوا على امرأة في طهر واحد، فسأل اثنين: أتُقرّان لهذا بالولد؟ قالا: لا، ثم سأل اثنين: أتُقِرّان لهذا بالولد؟ قالا: لا، فأقرع بينهم، فقَضَى بالولد للذي صارت عليه القرعة، وجعل عليه ثلثي الدية، فذُكر ذلك للنبيّ - صلى الله عليه وسلم -، فضَحِك، حتى بدت نواجذه. رواه أبو داود في "سننه" رقم (٢٢٦٩)، والنسائيّ في "الكبرى" (٣/ ٤٩٦)، و"المجتبى" (٦/ ١٨٢).
(٢) "المفهم" ٤/ ٢٠٠ - ٢٠٢.