إشارةً إلى الردّ على من زعم أن القائف لا يُعتبر قوله، فإن من اعتبر قوله، فعَمِل به، لزم منه حصول التوارث بين المُلْحَق والمُلْحَق به، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في حكم العمل بالقائف:
قال أبو العبّاس القرطبيّ - رحمه الله -: قد استَدَلّ جمهور العلماء على الرجوع إلى قول القافة عند التنازع في الولد بسرور النبيّ - صلى الله عليه وسلم - بقول هذا القائف، وما كان النبيّ - صلى الله عليه وسلم - بالذي يُسرّ بالباطل، ولا يُعجبه، ولم يأخذ بذلك أبو حنيفة، والثوريّ، وإسحاق، وأصحابهم؛ متمسّكين بإلغاء النبيّ - صلى الله عليه وسلم - الشبه في حديث اللعان على ما سبق، وفي حديث سودة، كما تقدّم، وقد انفَصَل من أخذ به عن هذا بأن إلغاء الشبه في تلك المواضع التي ذكروها إنما كان لمعارض أقوى منه، وهو معدوم هنا، فانفصلا.
ثم اختلف الآخذون بأقوال القافة، هل يؤخذ بذلك في أولاد الحرائر والإماء، أو يختصّ بأولاد الإماء؟ على قولين:
فالأول قول الشافعيّ، ومالك في رواية ابن وهب عنه، ومشهور مذهبه قَصْرُه على ولد الأمة، وفرّق بينهما بأن الواطئ في الاستبراء يستند وطؤه لعقد صحيح، فله شبهة المُلك، فيصحّ إلحاق الولد به، إذا أتت به لأكثر من ستّة أشهر من وطئه، وليس كذلك الوطء في العدّة؛ إذ لا عقد، إذ لا يصحّ، وعلى هذا فيلزم من نكح في العدّة أن يُحدّ، ولا يُلحق به الولد؛ إذ لا شبهة له، وليس مشهور مذهبه، وعلى هذا فالأولى ما رواه ابن وهب عنه، وقاله الشافعيّ.
ثم العجب أن هذا الحديث الذي هو الأصل في هذا الباب إنما وقع في الحرائر؛ فإن أسامة وأباه ابنا حرّتين، فكيف يُلْغَى السبب الذي خرج عليه دليل الحكم، وهو الباعث عليه؟ هذا ما لا يجوز عند الأصوليين.
وكذلك اختَلَف هؤلاء، هل يُكتَفَى بقول واحد؛ لأنه خبر من القافة، أو لا بدّ من اثنين؛ لأنها شهادةٌ؟ وبالأول قال ابن القاسم، وهو ظاهر الخبر، بل نصّه، وبالثاني قال مالكٌ، والشافعيّ، ويلزم عليه أن يُراعَى فيها شروط الشهادة، من العدالة، وغيرها.