لم تزل الأنبياء عليهم السلام يصابرون كفار أممهم ومنافقيها حتى يتحققوا عدم إيمانهم.
وقد روي: أن يحيى وعيسى عليهما السلام كانا يسوحان في البرية جميعًا، فإذا دخلا المدن نزل عيسى على شرار الناس رغبة في هدايتهم، ونزل يحيى على خيار الناس رغبة في صحبتهم.
وقد رواه الإمام أحمد في "الزهد" على وجه آخر عن سفيان بن عيينة قال: كان عيسى ويحيى عليهما السلام يأتيان القرية، فيسأل عيسى عن شرار أهلها، ويسأل يحيى عن خيار أهلها، فقال: لِمَ تنزل على شرار الناس؟ فقال: إنما أنا طبيب أداوي المرضى (١).
وأما من تحركت روحه، وتنبهت خليقته من أهل التخليط إلى الرغبة في التوبة، والإقلاع عن الحَوبة، فدعاه ذلك إلى التفتيش عن الصالحين، والاجتهاد في طلب المتقين، فهذا يتعين عليه إن ظفر بأحد منهم أن يحرص على موافقته ومرافقته، ولا يفرط في صحبته ومجالسته، فعسى أن تسري إليه أخلاقه وأفعاله، وتتفق له أوصافه وأعماله، وعلى الآخر أن يُقبل عليه، ويستوصي به خيراً؛ لأنه من أحباب الله تعالى؛ إذ يقول - عز وجل -: {إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ (٢٢٢)} [البقرة: ٢٢٢].
وقال عمر رضي الله تعالى عنه: جالسوا التوابين؛ فإنهم أرق شيء
(١) رواه الإمام أحمد في "الزهد" (ص: ٦٨)، وأبو نعيم في "حلية الأولياء" (٧/ ٢٧٤).