وروى أبو داود، والترمذي وحسنه، وابن ماجه، عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "الْمَرْءُ عَلَىْ دِيْنِ خَلِيْلِهِ"(١).
إنَّ مآلهما إلى التوافق في الدِّين بسبب سريان طبع أحدهما إلى الآخر، ثم من كان منهما متمكناً في حاله غلب على الآخر؛ فإن كان حال الفاسق أمكن في فسقه من حال الصالح العدل في صلاحه وعدله غلب الفسق عليهما، وإن كان حال الصالح أمكن في صلاحه من حال الفاسق في فسقه وفجوره غلب الصلاح عليهما، ولكن يتعين على ذلك العدل الصالح أن لا يصحب ذلك الفاسق إلا إذا تحقق بغلبة حاله.
ثم هو في ذلك على خطر عظيم لاحتمال غلبة حال الفاجر من حيث خفي ذلك عليه - خصوصاً في هذه الأعصار المتأخرة -، فإن الفجور غالب على الناس، والشر منتشر فيهم، وبضاعة الصلاح مُزْجاة بينهم، وقد قلَّ راغبوها، وعزَّ طالبوها، فلا تكاد تجد للتقوى طالباً، ولا للحق ناصراً، مع كثرة أنواع الباطل والفجور، وفرط الرغبة في أنواع اللهو والغرور.
فإن فرض أن أحداً تحقق بقُوَّته في الدين، وأيقن بالتمكين، فلا بأس إذا صحب أهل الفجرة والشر رجاءَ نقلهم إلى الخير والبر، كما كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يجالس المنافقين، ويصاحبهم مع علمه بأحوالهم، وكذلك
(١) رواه أبو داود (٤٨٣٣)، والترمذي (٢٣٧٨) وقال: حديث حسن غريب، وصحح إسناده النووي في "رياض الصالحين" (ص: ٥٨).