للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

فلا يتأتى فيه الخلاف، غير أنه إذا تبرع بالذبح فالأفضل فيه أن يقدمه على الحلق متابعة للسنة.

فإن قلت: فلِمَ لم يذكر المتمتع مع أن حكمه مثل القارن في وجوب الذبح عليه؟

قلت: القارن يطلق على المتمتع من حيث إن كلا منهما جامع بين عبادتين،

وداخل في حرمتين، غير أنه يفرق بينهما في كيفية الصدر، ولأن المتمتع إذا قدم الحلق على الذبح يجب عليه دم واحد بلا خلاف بين أبي حنيفة وزفر.

قوله: "وكان من الحجة عليهما" أي على أبي يوسف ومحمد، وأراد بشرح معاني هذه الآثار: هو أن نفي الحرج لا ينافي وجوب الفدية، وقد حققناه فيما مضى.

ص: وحجة أخرى وهي: أن السائل لرسول الله -عليه السلام- لم يعلم هل كان قارنًا أو مفردًا أو متمتعًا؟ فإن كان مفردًا فأبو حنيفة وزفر لا ينكران أن يكون لا يجب عليه في ذلك دم؛ لأن ذلك [الذبح] (١) الذي قدم عليه الحلق ذبح غير واجب، ولكن كان الأفضل له أن يقدم الذبح قبل الحلق، ولكنه إذا قدم الحلق أجزأه، ولا شيء عليه، وإن كان قارنًا أو متمتعًا فكان جواب النبي -عليه السلام- له في ذلك على ما ذكرنا، فقد ذكرنا عن ابن عباس في التقديم في الحج والتأخير أن فيه دمًا، وأن قول النبي -عليه السلام- "لا حرج" لا يدفع ذلك، فلما كان قول النبي -عليه السلام- في ذلك "لا حرج" لا ينفي عند ابن عباس وجوب الدم، كان كذلك أيضًا لا ينفيه عند أبي حنيفة وزفر، وكان القارن ذبحه ذبح واجب يحل به، فأردنا أن ننظر في الأشياء التي يحل بها [الحاج] (٢) إذا أخرها حتى يحل، كيف حكمها؟ فوجدنا الله تعالى قد قال: {وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ} (٣) فكان المحصر يحلق بعد بلوغ الهدى محله فيحل بذلك، وإن حلق قبل بلوغه محله وجب عليه دم، هذا إجماع.


(١) في "الأصل، ك"، والمثبت من "شرح معاني الآثار".
(٢) في "الأصل، ك": "الجماع"، وهو سبق قلم من المؤلف -رحمه الله-، والمثبت من "شرح معاني الآثار".
(٣) سورة البقرة، آية: [١٩٦].

<<  <  ج: ص:  >  >>