للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

فقدر استدراكًا إلزاميًا من الخصم بدليل مُسَلَّم به بينهما؛ وهو: جواز تعليل الحكم الواحد بعلل في كل صورة بعلة، فقال: "فإن قيل: نحن لا نفسر استقلال العلة بأن الحكم ثبت بها لا غير ليلزمنا ما قيل؛ بل معنى استقلالها أنها لو انفردت لكان الحكم ثابتًا لها ولا أثر لانتفاء غيرها، ولا يخفى وجه الفرق بينه وبين القسمين الآخرين.

سلمنا دلالة ما ذكرتموه على امتناع تعليل الحكم بعلتين على وجه تكون كل واحدة مستقلة بالحكم؛ لكنه معارض بما يدل على جوازه بالنظر إلى ما هو الواقع من أحكام الشرع؛ وذلك أنا قد اتفقنا على ثبوت الحكم الواحد عقيب علل مختلفة، كل واحدة قد ثبت استقلالها بالتعليل في صورة، وعند ذلك فإما أن يقال: العلة منها واحدة، أو الكل علة واحدة ذات أوصاف، أو أن كل واحدة علة مستقلة، لا جائز أن يقال بالأول، ؛ وإلا فهي معينة أو مبهمة، والقول بالتعيين ممتنع؛ لعدم الأولوية، ولما فيه من خروج الباقي عن التعليل مع استقلال كل واحدة به، وبهذا يبطل الإبهام، والقسم الثاني أيضًا؛ فلم يبق سوى القسم الثالث؛ وهو الاستقلال، ودليل ثبوت مثل هذه الأحكام الإجماع على إباحة قتل من قتل مسلمًا قتلاً عمدًا عدوانًا وارتد عن الإسلام، وزنى محصنًا وقطع الطريق معًا ... " (١).

فأجاب الآمدي عن هذا: بأن الكلام مفروض في حالة الاجتماع لا في حالة الانفراد، والتقسيم في حالة الاجتماع فعلى ما سبق، وأما الأحكام التي ذكرتموها فالعلل وإن كانت متعددة؛ فالحكم أيضًا متعدد شخصًا وإن اتحد نوعًا. (٢)

فإن لم يكن الدليل الملزم به مُسلمًا عند الخصم، كان الاستدراك ساقطًا؛ وأمثلة ذلك:


(١) الإحكام في أصول الأحكام للآمدي (٣/ ٢٩٦ - ٢٩٧).
(٢) يُنظر: المرجع السابق (٣/ ٢٩٧).

<<  <   >  >>