للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

مع اعتقاد هذا الذي ادعيناه وقطع السلف بالتحريم فيه، فإن أنكر منكر هذا، واندفع في تحليل هذه الأشياء، علم قطعًا انسلاله عن ضبط المسألة، واستبطاؤه مركب العقوق ... " (١).

فقال الأبيَارِي مستدركًا عليه: " ... أما كونه يدعي على السلف القطع بالتحريم؛ فيا لله ويا للمسلمين أيكون الإمام (٢) أعرف من مالك بمواضع إجماع الصحابة واختلافهم مع قرب عصره، ومحل ولادته وتربيته، ودوام اشتغاله بالبحث عن أحوالهم وأقوالهم؟ ! هذا والله محال؛ غير أنه قد نقل عن القوم خلاف ما ذكره، «سئل ابن عباس عن الحشرات، فأفتى بحِلَّها، وتلا الآية» (٣). ثم إنه اقتصر في نسبة مالك - رحمه الله - إلى خرق الإجماع على التمسك بعادة الصحابة، ولم ينقل في ذلك شيئًا أصلاً؛ غير أنه قال: (قطع السلف بالتحريم فيه) ... ثم أطلق لسانه في مالك - رحمه الله - ونسبه إلى استيطاء (٤) مركب العقوق، فيا ليت شعري ما الذي عنى بكونه عاقًا؟ هل عقه؟ فهو -بحمد الله- غير ملتفت إلى أصحاب هذه المقالة حتى يعقهم؛ إذ هو مجتهد يعمل بما أراه الله تعالى، أم عق صاحب الشريعة؟ وهذا هو الذي أراده صاحب الكتاب؛ لأنه نسبه إلى جحد الأدلة القاطعة، ومعاذ الله أن يكون الأمر كذلك! وما ينبغي أن تطلق


(١) البرهان (١/ ٣٧٦).
(٢) أي: الجويني.
(٣) لم أقف على هذا الأثر عن ابن عباس، والذي وجدته في سنن أبي داود أن ابن عمر سئل عن القنفذ، فتلا الآية. يُنظر: سنن أبي داود، ك: الأطعمة، ب: في أكل حشرات الأرض، (٣/ ٣٥٤/ح: ٣٧٩٩). وأما الحشرات فعن الملقام بن تلب عن أبيه قال: «صحبت النبي - صلى الله عليه وسلم - فلم أسمع لحشرة الأرض تحريمًا». يُنظر: سنن أبي داود، ك: الأطعمة، ب: في أكل حشرات الأرض، (٣/ ٣٥٤/ح: ٣٧٩٨).
(٤) يقال: فلان قد استوطأ المركب، أي وجده وطيئا: أي لينا. يُنظر: الصحاح (ص: ١١٤٦)، القاموس المحيط (ص: ٥٥) مادة: (وطأ).

<<  <   >  >>