وروي عن مالك أنه يقصر في مسافة خمسة وأربعين ميلًا. وروي عنه في أربعين ميلًا، فعن مالك إذن خمس روايات. وروي عن ابن القاسم جواز القصر في ستة وثلاثين ميلًا. وروي عن ابن عمر أنه قصر في ثلاثين ميلًا. وروي عن أنس أنه كان يقصر في خمسة عشر ميلًا. وذهب قوم إلى أنه يقصر في المسافة التي يجب الإتيان منها إلى الجمعة. وذهب يعض أهل الظاهر إلى أنه يقصر في قليل السفر وكثيره إذا تجاوز البنيان ولو قصد إلى بستانه. وروي نحوه عن علي بن أبي طالب، واحتجوا بعموم الآية، ولم يثبت عندهم ما يخصصها. وأما غيرهم فخصصوا ذلك العموم إما بأثر أو بنظر. وقد روي عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:((يا أهل مكة لا تقصروا في أقل من أربع برد)). وهذا عندنا مخصص لعموم الآية، وإن كان في مثل هذا التخصيص خلاف كثير بين الأصوليين. وإذا أثبتنا للقصر حدًا فمن أين يبتدئ بالقصر إذا سافر؟ واختلف فيه، فقيل: إذا فارق بيوت بلده ولم يحاذه عن يمينه وشماله شيء منها. وقيل: إنه يقصر إذا نوى السفر وإن كان ببلده. وقيل: إنه لا يقصر الصلاة يومه الذي سافر فيه إلى الليل وإن تم اليوم قصر، وهو قول مجاهد. وحجة مالك قوله تعالى:{وإذا ضربتم في الأرض}، والمقيم في المصر لا يكون بالنية، وإنما يكون بالفعل. والذي قال يقصر بالبلد إذا نوى السفر يتأول الآية كأنها عنده: إذا أردتم الضرب في الأرض، كما قالوا في قوله تعالى: {إذا قمتم