للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

ولو تأملت القرآن لانفتح لك باب العلم بأن اتباع عمل العلماء أصحاب النبي الذي يبين وجوه السنن واجب، وأنه وصية الله ورسوله (١).

فمنه قول الله تعالى (والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه) [التوبة ١٠١] (اتبعوهم) مطلق في الاتباع عند الإجماع والخلاف والتشريع والمنهج … فما لم يثبت فيه خلاف بينهم لم يجز أن نختلف فيه، وما اختلفوا فيه نظرنا من يشهد له علمٌ عن رسول الله .. وإنما اتباعهم في ما اختصوا به وهو الموقوفات لا في ما رووا عن النبي ، لأن اتباع الرواية اتباع للنبي لا للناقل عنه، وإنما هو اتباع عملهم وفهمهم. وهم السابقون الذين سبقوا إلى كل خير ولم يُسبقوا، وهم الأولون في كل خير.

وقد علمت أنهم كانوا يتأسون بالنبي في كل الأمور حتى في منهج البيان، فكانوا يبينون بالفعل والترك كما كان النبي يبين، فما فعله الصاحب فإنه من جنس الرواية، هذا هو الأصل، ولا يشكل عليه النادر الذي خالفه. ومن رصد سنة التعليم في زمان الخلفاء الراشدين قطع بأن العلم نقل بالموقوفات أكثر من المرفوع، فكانوا يُعَلمون الناس أمور دينهم لا يكاد أحدهم يرفع إلى النبي إلا قليلا، كذلك كان الناس زمان أبي بكر وعمر حتى أصيب، فجعلت تظهر الرواية شيئا فشيئا حتى فشت زمان الفتنة واحتاج الناس إلى الإسناد .. فمن خلع يده من الموقوفات قَبْلُ فكأنما ردَّ تسعةَ أعشار العلم.

ومنه قول الله تعالى (والذين جاؤوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان) [الحشر ١٠] الإيمان القول والعمل، فهم الذين سبقوا إلى كل شُعَب الإيمان الظاهرة والباطنة. فيُستدل بدلالة الإشارة على اتباعهم في الظاهر والباطن.

وأيضا سمى الله المهاجرين ومنهم الخلفاء الراشدون الصادقين [الحشر ٨] ثم أمرنا أن نكون معهم حيث كانوا فقال (يا أيها الذين آمنوا


(١) - إعلام الموقعين ٤/ ١٢٣.

<<  <   >  >>