للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

ابن أكْثَم في مَجْلِسٍ له يَجْتَمعُ النَّاسُ فيهِ، فوَافَى إسْحاقُ بنُ إبْراهيِم المَوْصِلِيّ، فأخَذَ يُناظِرُ أهْلَ الكَلَامِ حتَّى انْتَصَفَ منهم، ثمّ تكلَّم في الفِقْه فأحْسنَ، وقَاسَ واحْتَجَّ، وتكلَّم في الشِّعْر واللُّغَة ففَاقَ مَنْ حَضَر، فأقْبل على يَحْيَى، فقال: أعَزَّ اللهُ القَاضِي، أفي شَيءٍ ممَّا ناظَرتُ فيه وحَكَيتُه نَقْصٌ أو مَطْعَنٌ؟ قال: لا، قال: فما بالي أقُومُ بسَائر هذه العُلُوم قيامَ أهْلها، وأُنْسَبُ إلى فَنٍّ واحدٍ قد اقْتَصَر النَّاسُ عليهِ؟ قال العَطَوِيُّ: فالتفَتَ إليَّ يَحْيَى بن أكْثَم، فقال: جَوابُهُ في هذا عليك -قال: وكانَ العَطَوِيُّ من أهْلِ الجَدَل- فقُلتُ: نعم، أعَزَّ اللهُ القَاضِي، الجَوَابُ عليَّ. ثُمَّ أقبلْتُ على إسْحاق: فقُلتُ: يا أبا مُحَمَّد، أنت كالفَرَّاءِ والأخْفَش في النَّحو؟ قال: لا، قُلتُ: أفأَنْتَ في اللُّغَة وعِلْم الشِّعْر كالأصْمَعِيِّ وأبي عُبَيْدَة؟ قال: لا. قلتُ: أفأَنْتَ في الأنْسَابِ كالكَلْبيّ وأبي اليَقْظَان؟ قال: لا، قُلتُ: أفأَنْتَ في الكَلَام كأبي الهُذَيْل والنَّظَّام؟ قال: لا، قُلتُ: أفأَنْتَ في الفِقْه كالقَاضِي؟ قال: لا، قُلتُ: أفأَنْتَ في قَوْل الشِّعْر كأبي العَتَاهِيَة وأبي نُوَاس؟ قال: لا، قُلتُ: فمن هَا هُنا نُسِبْتَ إلى ما نُسِبْتَ إليه لأنَّهُ لا نَظِيرَ لكَ فيه ولا شَبِيهَ، وأنْتَ في غيره دونَ رُؤسَاءَ أهْلِهِ! فضَحِكَ وقامَ فانْصَرف، فقال لي يَحْيَى ابن أكْثَم: لقد وَفَّيْت الحُجَّةَ حقَّها، وفيها ظُلْمٌ قليلٌ لإسْحاق، وإنَّهُ لمَنْ يَقِلُّ في الزَّمان نَظِيرُهُ.

وقال أبو بَكْر الخطيبُ (١): حَدَّثَني عليّ بن المُحَسِّن (٢)، قال: وَجَدْتُ في كتاب جَدِّي عليّ بن مُحَمَّد بن أبي الفَهْم التَّنُوخِيّ: حَدَّثَنَا الحَرَميِّ بن أبي العَلَاء،


(١) تاريخ بغداد ٧: ٣٥٦ - ٣٥٧.
(٢) نشوار المحاضرة ٦: ٣٠ - ٣١.

<<  <  ج: ص:  >  >>