وإنما يعرف هذا الحديث من هذا الوجه وهو حديث أيمن بن نابل وهو ثقة عند أهل الحديث، ورواه ابن ماجة من حديث قدامة بن عبد الله المذكور ولفظه:(رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم رمى الجمرة يوم النحر على ناقة له صهباء لا ضرب ولا طرد ولا إليك إليك) . ويقطع التلبية مع ابتداء الرمي، يروى ذلك عن ابن مسعود وابن عباس وميمونة رضي الله عنهم، وبه قا عطاء وطاووس وسعيد بن جبير والنخعي والثوري والشافعي وأصحاب الرأي لحديث الفضل بن عباس رضي الله عنهما قال:(كنت رديف رسول الله صلى الله عليه وسلم من جمع إلى منى فلم يزل يلبي حتى رمى جمرة العقبة) . رواه الجماعة، ورديفه يومئذ أعلم بحاله من غيره، ويستحب قطع التلبية عند أول حصاة لما في بعض ألفاظ حديث الفضل (حتى رمي جمرة العقبة قطع عند أول حصاة) رواه حنبل في المناسك وهذا بيان يتعين الأخذ به، وفي رواية من روى أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يكبر مع كل حصاة دليل على أنه لم يكن يلبي ولأنه يتحلل بالرمي، وإذا شرع فيه قطع التلبية كالمعتمر يقطع التلبية بالشروع في الطواف.
(تنبيه) عبارة الأصحاب صريحة في أنه لا يقطع التلبية إلا إذا ابتدأ في رمي جمرة العقبة، فهل إذا أخر رميها حتى طاف للإفاضة وسعى يلبي حتى يرميها أم لا؟ ظاهر عبارتهم أنه يلبي حتى يشرع في رميها لإطلاقهم ذلك، والذي يترجح عندي أنه إذا شرع في طواف الإفاضة يقطع التلبية كما يقطعها المعتمر إذا شرع في طواف العمرة، لأن طواف الإفاضة شروع في التحلل كالشروع في الرمي وأولى، ولأنه إذا حلق بعد الطواف حصل له التحلل الأول فلم يبق وجه لمشروعية التلبية بعد التحلل مع أنه لم يرم جمرة العقبة، هذا ما ظهر لي والله أعلم.